عبد اللطيف شعباني
رواية “الشيخ والبحر“ هي لمؤلفها الأميركي إرنست همنغواي، والذي أفرغ في يوم 2/7/1961 عيارا ناريا في رأسه ليُنهي حياته. وإن كانت هذه تبدو نهاية مأساوية، فقد مثّلت إعلانا لنهاية سلسلة المعاناة والمكابدة التي عايشها طيلة حياته.
لقد عاش همنغواي طفولة معذبة، كان والده طبيبا ووالدته موسيقية، لكنهما عاملاه بقسوة، راسمين له خطة قاسية من النجاح الذي حرمه من الاستمتاع بطفولته، وهو ما دفع همنغواي للاعتراف أنه يكره والدته. وفي وقت متأخر من عمره كان همنغواي يشكو من ملاحقة “الإف بي آي” الأميركية له، وهو ما فسّره البعض على أنه نابع من إصابته بالبارانويا، ليخوض تجربة العلاج بالصدمة الكهربائية خمس عشرة مرة بناء على نصيحة طبيبه. لكن مصادر أخرى أشارت إلى أن مخاوف همنغواي لم تكن أوهاما، حيث إن “الإف بي آي” كانت تراقب همنغواي لأنه كان مُجندا عند الاستخبارات الروسية…
يُعد إرنست همنغواي من أهم الروائيين والقاصّين الأميركيين، وكان يُلقّب بـ “بابا”. وعلى الرغم من شيوع السوداوية في أعماله الأولى، فإنه سعى في رواياته -فيما بعد- للاحتفال بإصرار الإنسان وصلابته في مواجهة الطبيعة. شارك همنغواي في الحرب العالمية الأولى والثانية، وحصل على أوسمة تقديرا له على مشاركته فيهما، وهي تجربة تركت ظلالا على أعماله الأدبية.
ومن أبرز تلك الأعمال الأدبية هي “الشيخ والبحر”، فهي رواية تحكي معاناة سانتياغو، الرجل الكوبي الذي بلغ من الكبر عتيا. يملك بطل الرواية سانتياغو تاريخا عريقا في صيد السمك، لكنّ شمسَه تأفُلُ ببلوغه سن الشيخوخة، فيسعى إلى إحياء أمجادِ الشباب باصطياد سمكة كبيرة الحجم. يرافق سانتياغو في رحلة الصيد الشاب الكوبي مانولين، حيث يرى مانولين في سانتياغو المعلّم والمرشِد الذي يأخذ بيده ويرشده في خوض غمار البحر واصطياد السمك.
إن رواية “الشيخ والبحر” تتميز بسهولة المفردات والتراكيب مما يجعلها في متناول يد القرّاء من جميع الفئات العمرية، وهو ما قد يُفهم منه أنها لا تحتمل أي قراءة عميقة أو تحليلا يُحمّلها فوق ما تحتمل. لكن كون هذه الرواية من تأليف الروائي الأميركي الشهير إرنست همنغواي، وبلغت من الشهرة ما جعلها في مصاف الأدب الأميركي والتراث الأدبي العالمي، فإن ذلك يدعونا إلى إيلائها قراءة نقدية فاحصة والالتفات لرمزيّتها. فالأدب مرآة الواقع، ولا ينفصل بحال عن السياق السياسي والاقتصادي، وهو وليد الثقافة واللغة التي تنتجه، وهذا ما أثبتته رواية “الشيخ والبحر” .
تبدو على سانتياغو آثار التجارب القاسية التي عاصرها في شبابه، فيما كان يمخر عباب البحر باحثا عن لقمة عيشه، فوجهه شاحب، وعنقه تغزوه التجاعيد، والشمس تركت بصماتها على صفحة جلده المتجعد. وفي هذا دلالة على كثافة الخبرات التي يمتلكها سانتياغو ومعرفته الغنية بالبحر والتحديات التي يواجهها البحارون، كما أنه على دراية كافية بأسرار الصيد وأنواع الأسماك والكائنات البحرية كافة.
فيرى الناظر بوضوح انتماء الشيخ بجسده المرهق وما يحمل من آمال كبيرة إلى الشعب الكوبي، الذي أرهقته ظروف العيش الصعبة وما زال يأمل في تحسينها. لكن يبدو أن سانتياغو لا يرى في السنّ عائقا أمام سعيه للاستمرار في الصيد وتحقيق مجد يتحدث به القاصي والداني. فالأمل الذي يملأ حنايا سانتياغو ينعكس بريقا في عينيه، وروحا فياضة بالسعي والإصرار تخفف من ثقل جسده المتهالك وتدفعه إلى المسير. لكن هل الإصرار وحده كافٍ لتحقيق أحلام سانتياغو؟
كيف ينفع الإصرارُ مَن لا يحالفهُ الحظ؟
“لم يعد يحالفني الحظّ، لكن من يدري؟ ربّما كنت محظوظا اليوم. كل يوم يأتي حاملا معه فرصة جديدة. لا بد من أن يحالفني الحظ. لكن يجدر بي أن أهيأ نفسي، حتى يحالفني الحظّ وأنا على أتمّ الاستعداد”.
يملأ الإصرار والعزيمة كيان سانتياغو ويدفعه للمُضي قُدما في الصيد برفقة مانولين، الشاب الذي لا يأبَه لتحذيرات والديه ودعوتهم إياه لترك الشيخ الذي يقولان إنه منحوس نحسا لا ريب فيه. لكنّ مهنة الصيد تتطلّب ذهنا حصيفا وكفاءة شحذها محك التجربة، فنرى سانتياغو يعتمد على الحظ وحسب، ويؤمن أن الخسارات التي جناها كانت بسبب حظه السيئ لا غير. وهو ما رآه والدا مانولين نفسه، حين حذّرا ابنهما من مرافقة العجوز سانتياغو إيمانا منهما أن حظه عاثر، وكانا يصفان ابنهما كذلك بأنه “ذو حظ سيئ جدا”. وشفقة من الشيخ على الشاب أشار سانتياغو على مانولين أن يبقى مع قارب آخر “يملك حظا كبيرا”. لكن مانولين يصر على ملازمة سانتياغو قائلا له: “إن الرقم خمسة وثمانون رقم يجلب الحظ”، فقد فشل سانتياغو في اصطياد سمكة قبل مرور أربعة وثمانين يوما.
ولا غرابة أن سانتياغو رجل معدم يملك كوخا متواضعا مصنوعا من سعف شجر الكورانو، ليس فيه إلا غرفة واحدة تملؤها القذارة وسرير وطاولة وكرسي. كما يفتقر منزله إلى الصرف الصحي ومعدات الطبخ، ونجده يفترش الأرض القذرة ليصنع طعامه من السردين أو مما يصطاد من السمك، وهو لا يملك أدنى أساسيات العيش الكريم من كهرباء أو صرف صحي ، فأين سينتهي الحال بسانتياغو؟ وهل سيغنم بصيد يستحق الجهد الذي بذله طيلة أربعة وثمانين يوما؟
“وقال صاحب السطيحة: لقد كانت سمكة عظيمة حقا! إن أحدا لم يرَ مثلها من قبل. وأنتَ أيضا، اصطدتَ أمسِ سمكتَين رائعتين. فقال الغلام: لستُ أبالي بذلك! وأنشأ ينتحب من جديد. وسأله صاحب المقهى: ألا تريد أن تشرب شيئا؟ فقال الغلام: لا. قل لهم ألّا يزعجوا سانتياغو… وأخيرا أفاق الرجل العجوز فقال الغلام: ابق حيث أنت. اشرب هذا. وصب شيئا من القهوة في القدح. وتناول الشيخ القدح وشرب ما فيه. وقال: لقد هزموني يا مانولين. لقد هزموني حقا”.
هكذا تحكي الرواية أن سانتياغو بعدما قضى أربعة وثمانين يوما دون أن يصطاد سمكة واحدة، يفاجأ بأن سمكة كبيرة جدا التقمت الطعم، ويطير سعادة حين يجد أن سمكة المارلين أكبر سمكة رآها على الإطلاق قد وقعت في شباكه. لكن تأتي الرياح بما لم تشته السفن، فيجد الشيخ مشقة بالغة أثناء محاولته لسحبها ثم تذوق لحمها الذي لطالما حلمَ به. يُحرم سانتياغو من النوم وتتشنج أطرافه ولا يتمكّن من تناول الطعام لأيام طوال، وهو يمنّي نفسه باصطياد سمكة المارلين ليحل مشاكله المادية كافة ويستعيد الانتصارات التي عرفها أيام الشباب.
وفي خضمّ هذه المعركة من الشد والجذب يخذله جسده وتتشنج يده ، ويبدو فاقدا للسيطرة حين تسحبه السمكة، لتنقلب الآية ويغدو سانتياغو صيدا لسمكة المارلين. إلا أن سانتياغو يتمكّن أخيرا من اصطياد السمكة، لكن سرعان ما تنقضّ القروش عليها وتنهشها من كل صوب. يحاول سانتياغو بكل طاقته إبعاد القروش عن غنيمته، لكن المعركة تنتهي بخسارته السمكة التي لم يتبق منها سوى هيكلها، لتتبخّر حينها آماله وأحلامه التي رسمها ويذهب جهده سُدى. فبعد أن وصل الليل بالنهار وعاند جسده المتهالك وغالب أمواج البحر، ثمّ لاح له طيف انتصار بصيد ثمين، تنقضّ القروش وتئدُ انتصارَه في مهده وتسلبُه حلمَهُ.
يبدو سانتياغو في مظهر العاجز الخاسر والذي يبني آمالا من سراب ويقضي أياما ساعيا إليها لينتهي به المطافُ منكسرا خاليَ الوفاضِ إلا من قلب كسير،….
فما الذي يحاول همنغواي الإشارةَ إليه بهذه النهاية المحبطة؟ ومن هو الطرف الآخر الذي هزم سانتياغو؟؟؟؟؟
إن الكوبيين شعب جاهل، وكوبا بلد بحاجة إلى من ينقذها
“يمكن أن يُطلق اسم “إمبراطورية” على أميركا وفقا لتعريف سيسيرو للإمبراطورية الرومانية. يقول سيسيرو إن الإمبراطورية تمتلك حقوقا قانونية تُمكّنها من فرض قوانينها على دول أخرى. وإن نظرنا إلى الولايات المتحدة الأميركية، فسنجد أنها منحت نفسها السلطة القانونية التي تُمكّنها من التدخل في شؤون مختلف الدول في شتى أنحاء العالم. الولايات المتحدة التي تتفوق على العالم بما تملكه من ثروات ضخمة وتاريخ استثنائي، تتخذ موقفا متعاليا من النظام الدولي ولا ترضى أن تنضوي فيه. تمتلك مكانة عليا، تكتب القانون وتتحدث بلسانه”…

