رحال لحسيني
من منا لا يتوق لرحلة إلى كان بعيد، خال من الناس إلا من نفسه، والتي لو استطاع تركها بدورها خلفه لما تردد.
حتى الذين يقطنون بمواضع ليس فيها بشر، ربما يخطر ببالهم ذلك.
كانت تبحث عن كلمات أفضل للتعبير عما تريد، أن تخرج ما يخالجها من ضغط وتذمر من دفء تلاشى بعد موت أو غياب من كان يشكل أمانا لها.
الموت الرمزي أحيانا أقسى من الحقيقة.
حين نفقد أعزاء تتكفل القبور ومراسيم الدفن والعزاء وحفلات التأبين بامتصاص الحزن الجامح أحيانا والتخفيف منه، ولو على دفعات.
حين يتيه منا من نعتبرهم أماننا، ليس مهما أن يكون أبا أو ابنا أو أخا أو حبيبا، امرأة أو رجل، يكون الفقد سرمديا تنعشه أي ريح عابرة، أي موقف، أية صورة، أغنية، لقطة من فيلم، مكان، حلم.
***
كذلك كانت تشدو شوقها الموجع.
الطريق إلى الغربة الداخلية طويل لكنه ضروري لقطع حبال الاشتياق وتعويضها ببسمات التذكر.
– هل كان ضروريا قطع بحور من الألم لتستعيد قوتك وروحك التي كانت.
أن تستعيدها كرائحة خبز فرن شامخ قرب منزل بدوي، في جو يوشك فجره أن يمطر.
* * *
بقرات وخراف يتسابقون للخروج من إسطبلاتهم لعناق شمس قادمة من خلف غمام مر مبكرا.
أطفال يتناقزون، حشائش، أكوام غبار مبلطة بالطين كأهرامات صغيرة، حوض نعناع وبصل وخس، شجيرات متفرقة. عصافير سوداء تصطف فوق أسلاك أعمدة كهرباء تمر من هنا ولا تضيء، دون خوف.
* * *
لم تغفو كثيرا كعادتها في اليوم الأول لقدومها إلى هنا.
جفاها النوم، أوقدت مصابيح ضيعتها المحاطة بجدار عالي، مشيد بحجر ثمين متراص بإتقان.
غالبا ما كانت تشعر برعب شديد، كلما هبت ريح خفيفة على أوراق أشجار كثيفة، تحتل المكان.
* * *
الشمس تصحو من وراء منزل جيرانها البسيط.
تواصل النظر من شرفتها المرتفعة بإمعان.
حصان منزلي يقفز متثاقلا تحت وقع خدعات سوط لا يلمسه، دواب تفر وتعود.
مهرة كستنائية، جدعها أدهم، تتراقص، تغرس حوافرها في ثنايا زرع فتي، أخضر لامع. تأسر روحها.
يضطرب خفقان قلبها، تشتهي الاقتراب منها على عجل.
***
تفتش غرفة حارسها عن سلم وآلة قطع أذرع أسلاك شائكة لسور حدودي مرتفع أصرت على بنائه، لم تجدهما.
غضبت من تسريح عمالها ومريديها قبل قدومها، لم تجد من يعينها على الوصول السريع إلى هناك.
ربما تحتاج إلى هدم السور أو إحداث كوة بطولها أو “فتح باب جانبي” للوصول من أقرب نقطة لمنزل جيرانها المكشوف.
تمنت لو لم تحتاج لبوابتها في الجهة الأخرى.
رحال لحسيني
الدار البيضاء، 4 شتنبر 2023

