رحال لحسيني
1
كأنك تعيش وحدك، لا تقيم وزنا لمن حولك.
حين كان يخترق صدرك تيار غضب، وغير متاح لك “إطلاق سراحه”. لم تكن تفتح باب صدرك له للتلاشي، كنت تنتظر أن تكون وحدك لتعوي كذئب، تصرخ، تسب وتشتم حتى تستريح.
كنت دائم الحديث في “السياسة” كما كان يسمي الجميع انتقاد السياسات التعليمية، الأوضاع العامة، السلطة، غياب التوزيع العادل للثروة، التلفزة، الثقافة السائدة…
كنت تحمل هم الشباب “الحالمين بالتغيير” القابعين في السجون، بسبب آرائهم أو تخطيطهم أو مشاركاتهم التلقائلية في التظاهرات والتنظيمات السلمية والعنيفة أحيانا.
2
أتذكر، كنت تريد إقحامنا بطريقتك في توزيع منشورات ضد الحرب و”الإمبريالية” والفقر والقمع والتفاوتات الطبقية الصارخة…
كنت تريد استمرار التلاميذ في الإحتجاج ضد كل شيء، وأي شيء.
***
كنت تشتكي لي أحيانا ان “ريحا ساخنة تتمدد تحت الضلوع…”.
وحين أدعوك لتتركهم يهتمون بدراستهم، أو مقاطعتهم حين يتطاولون عليك. تقول “إنهم ليسوا أعداء”.
لم أفهم كيف “لم تكن تبدي حقدك عليهم” رغم إساءاتهم إليك.
***
كنت تخاطبني ساخرا (.. يا علي..) وتضيف: “أغلبهم من طينتنا، أبناء شعبنا، فقراء، طحنتهم أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المتردية”.
***
وحين كنت ألاحظ أن بعضهم يصر على تحويل نقاشاتك معهم إلى تحدي، وإصرار على تصيد “انزلاقات” يواجهونك بها.
تقول: “دعهم ينتصرون،.. يحتاجون رؤية أنفسهم بمظهر المنتصر”. وتكرر: “يتحدون من يشبهم، من يشفق على حالهم. لا ينجوا من عنترياتهم كل من يتمنى لهم الخير” (…) “ويقفون مكتوفي الأيدي أمام من يعاملهم بسوء أو استعلاء، أو يستعرض نفوذه أمامهم…”.
– .. ومع ذلك، تعلمت أن اعتبرهم إخوتي، يرجع لك الفضل في ذلك. ليس لي إخوة “كنتم إخوتي”.
3
مرت السنين، لم يلتقا، تفرقت بينهما السبل. انقطعت أخبار معظم أصدقائهم القدامى (والصديقات القليلات) حتى أحلامهم تمزقت. لم تعد “خيمة كبيرة” تسعهم جميعا.
تقلص حجمها إلى “كبسولات” صغيرة، بحجم أصغر حبة دواء.
أصبح لمسها متاحا، وتحقيقها ممكن في خيال كل منهم.
غدت أحلاما ليست التي كانت.
***
في تقاطع طرقي مزدحم، وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام بعضهما. صدفة طافحة.
ترددا في إتمام المسير، تبادلا النظرات، رؤوس وأجساد تحركت دون إرادة. كلمات مبهمة، أيادي تمتد للتحية، صرخات صغيرة خافتة، قفزات وعناق ساخن.
4
لم يتوقعا أن يلتقيا في شارع مدينة تغربا فيها معا، في صغرهم (وتغربوا عنها كبارا).
المدينة البسيطة، لا زالت تشبه نفسها، لا تشيخ ولا تتقدم، أغلب معالمها في أماكنها، بعضها دمر أو اختفى، أو حلت محله عمارة، مؤسسة تعليمة خاصة، عيادة طبية، مركز تجاري، أو مقهى…
***
جدران المدارس، الثانويات أضحت أقل ارتفاع مما كانت.
يقفزون في ساحاتها ويفرون، يتسلقون أسوارها العالية، كذلك أسوار “التكنة” (إقامة الطلاب، “الداخلية”، كما كانوا يسمونها) “ملجأ” الأبناء البعيدين عن عائلاتهم واليتامى والفقراء، الذين يصرون على تغيير واقعهم بالدراسة.
***
نوافذ الثانوية المكسرة، الباب الداخلي، الأقسام، الإدارة، الأساتذة. شغفهم، شغبهم، تعرضهم للتمييز احيانا.
اتحادهم الاضطراري، مغامراتهم، انتقامهم.
5
سنوات من العمر قضوها بعيدا عنها وعادوا رفقة أسرهم ينشدون محو آثار ندوب في الذاكرة.
ذكريات يثوقون لاسترجاعها. ربما للشفاء منها.
“سعاد” تنتمي لعائلة معروفة بالمدينة، كبيرة، كثيرة الأبناء، بنت المدينة المرحة والبسيطة، لم تخطئ “عليا” حين لمحته اول الأمر.
يحتفظ بنفس ملامحه التي عرفتته بها، قبل اشتباكها مع “خليل”.
***
“علي” شاب وسيم، كثيف الشعر، خمري اللون، بسيط وطيب، تحضرها في قامته، دوما، أغنية “يا ظريف الطول…”.
ودودا وهادئا، خجولا على ما تعتقد. على عكس زوجها “الحمراني” (احمر اللون) كما كانت تصفه أمها.
وتدعوها لعدم ربط حياتها به.
كان يجيد الحديث والحركة، ولا يبالي بتبعات الاستفراد بها في أي مكان. كان يخفي رعبه الشديد من احتمال لقاءهما بأحد إخوتها أو أفراد من عائلتها (وهي معه).
يتذكر أنهما افترقا.. “متى تزوجا؟”.
(يتبع)
30 غشت 2023

