عبد اللطيف شعباني
يعتبر عيد الشباب فرصة متجددة للاحتفاء بالشباب-الثروة الحقيقة للأمة-، لوضع حصيلة المبادرات التي تم إطلاقها لفائدتهم، والتفكير في الأعمال والإجراءات القادرة على تعزيز مشاركتهم في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب.
وتشكل هذه المناسبة، التي تتزامن مع الذكرى الـ60 لميلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله فرصة لإبراز الجهود التي يبذلها جلالة الملك لتعزيز انخراط الأجيال الشابة في الدينامية التي يشهدها المجتمع، وتقوية مشاركتهم السياسية والاقتصادية، كما تعتبر هذه الذكرى مناسبة لتسليط الضوء على وضعية هذه الفئة.
فقد أطلق جلالة الملك محمد السادس حفظه الله مجموعة من المبادرات والإجراءات الرامية إلى تحقيق الازدهار الاجتماعي والثقافي للشباب، الذين يشكلون قرابة ثلث الساكنة، وكذا حماية صحتهم البدنية والعقلية، ودرء الانحرافات والمخاطر الاجتماعية عنهم، وضمان التكوينات المؤهلة لهم لتمكينهم من المساهمة بشكل كامل وناجع في الأنشطة المنتجة، وبالتالي تنمية مجتمعهم.
ويولي المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة، أهمية خاصة لتعليم الشباب، حيث يوفر لهم فرصا متعددة ومتجددة للتعلم، تضمن لهم التمتع بحقهم في الحصول على التأهيل المناسب، الكفيل بضمان اندماجهم الاقتصادي، وتحصيلهم المعرفي وارتقائهم الاجتماعي، بما يحصنهم من آفة الجهل والفقر، ومن نزوعات التطرف والانغلاق.
وتجسدت العناية الملكية بالشباب خلال إعداد النموذج التنموي الجديد، حيث شدد صاحب الجلالة في الخطاب الموجه للأمة، بمناسبة الذكرى الـ65 لثورة الملك والشعب (20 غشت 2018)، على “ضرورة وضع قضايا الشباب في صلب النموذج التنموي الجديد”.
وقد حرصت اللجنة الخاصة للنموذج التنموي، التي أحدثها صاحب الجلالة لهذا الغرض، على إشراك الشباب في عملية المشاورات التي باشرتها، وكذا أخذ انتظاراتهم وانشغالاتهم بعين الاعتبار في التقرير النهائي للجنة.
وحسب التقرير العام للجنة الخاصة بالنموذج التنموي، فإن من أبرز الرهانات الكبرى والأساسية للمغرب؛ تزويد الشباب بالكفاءات التي يحتاجونها، ومنحهم فرص تحسين آفاقهم المستقبلية وضمان فضاءات لتمكينهم من التعبير والمشاركة المواطنة وأخذ المبادرة، مع تعزيز روح المواطنة لديهم، وتشبثهم بثوابت الأمة وتعبئتهم الإيجابية في مسلسل تطوير بلدهم.
ويصل عدد الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 5,9 ملايين (50,9 بالمائة منهم ذكور)، ويمثلون 16,2 بالمائة من سكان المغرب، وعلى مستوى التحصيل الدراسي يتوفر 64,6 بالمائة من الشباب على شهادة متوسطة، و20,6 بالمائة لديهم شهادة ذات مستوى عال، في ما لا يتوفر 14,8 منهم على أية شهادة.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، تضم جهة الدار البيضاء – سطات حوالي خمس الشباب المغاربة بنسبة 19,1 بالمائة، وفي المرتبة الثانية تأتي جهة مراكش – آسفي بنسبة 13,6 بالمائة، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بنسبة 13,1 بالمائة، فجهة فاس – مكناس بنسبة 12,2 بالمائة، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.
وتتميز فئة الشباب، حسب مذكرة إخبارية للمندوبية، بضعف المشاركة في سوق الشغل، حيث إن معدل نشاطهم يصل 23,9 بالمائة مقابل 45,3 بالمائة بالنسبة لمجموع السكان، ويبلغ هذا المعدل 28,9 بالمائة بالوسط القروي مقابل 20,6 بالمائة بالوسط الحضري، كما أن معدل نشاط الشباب أعلى بثلاث مرات من نظيره لدى الإناث.
وأفادت أرقام المندوبية السامية للتخطيط بأن قرابة 3 من كل 10 عاطلين عن العمل بالمغرب هم من فئة الشباب، ويقطن قرابة ثلاثة أرباع هؤلاء الشباب العاطلين بالوسط الحضري، ويتوفر 90,1 بالمائة منهم على شهادة، وعلى العموم فقد بلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني 31,8 بالمائة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13,7 بالمائة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و3,8 بالمائة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.
وتندرج في هذا الإطار خارطة الطريق الجديدة الرامية إلى تطوير قطاع التكوين المهني التي ترتكز على برنامج مدن المهن والكفاءات. ويهم هذا البرنامج، الذي يكلف مبلغا استثماريا بقيمة 4,4 مليار درهم، إنجاز 12 مدينة للمهن والكفاءات على مستوى مختلف جهات المملكة، والتي ستعد بمثابة منصات متعددة الأقطاب والتخصصات للتكوين المهني، ستستقبل كل سنة 34 ألف متدرب.
وتميزت سنة 2023 بإشراف صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله بمدينة تامسنا، على تدشين مدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط- سلا – القنيطرة، البنية الرابعة من نوعها التي تفتح أبوابها لاستقبال الشباب في طور التكوين، بعد مدن المهن والكفاءات لسوس – ماسة، والشرق، والعيون – الساقية الحمراء، التي شرعت في تقديم التكوين للمستفيدين بين أكتوبر ونونبر 2022.
كما تجسدت العناية الملكية السامية بالشباب في خطاب العرش الأخير (29 يوليوز) الذي أكد فيه جلالة الملك أن الشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم، بإنجازات كبيرة، وغير مسبوقة، كتلك التي حققها المنتخب الوطني في كأس العالم.
وأبرز صاحب الجلالة نصره الله أن هذه الجدية تتجلى كذلك، في مجال الإبداع والابتكار، الذي يتميز به الشباب المغربي، في مختلف المجالات، مشيدا جلالته بإنتاج أول سيارة مغربية محلية الصنع، بكفاءات وطنية وتمويل مغربي، وكذا تقديم أول نموذج لسيارة تعمل بالهيدروجين، قام بتطويرها شاب مغربي.
والواقع أن تنمية المغرب تعتمد على شباب حر ومزدهر يتمتع بالكفاءة وروح الإبداع وقيم المواطنة الحقة، وبذلك فهو مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى إلى المشاركة بطريقة فاعلة وبناءة في التحولات التي يعرفها المجتمع، مع التشبث بثوابت الهوية الوطنية.

