بقلم الكاتب رحال لحسيني
-1-
حوالي خمس أو ست سيدات يتحلقن حول طاولة صغيرة، يرتدين جلابيب نسائية مزركشة، بألوان وأحجام مختلفة.
أغلبهن في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر تقريبا، مكتنزات باستثناء واحدة، نحيفة وترتدي تنورة قصيرة، تبدو أصغرهن تقريبا وأطولهن…
هكذا تكونت صورتهن الأولى في مخيلته، رغم عدم تدقيقه النظر فيهن. وهن جالسات.
* * *
يعتقد أنهن من عائلة واحدة، وأن السيدة المسنة التي تتوسطهن والدتهن، أو والدة بعضهن، لا محالة.
للوهلة الأولى كانت تبدو هذه السيدة كأنها ترأس جلستهن، لكن وجودها لم يكن مؤثرا في تراتبية حديثهن ولا في طريقتهن في الكلام.
* * *
قاده فراره من ريح هزت كيانه النحيل فجأة، كما يقع له عادة في أغلب مساءات هذا الصيف، حين لا يحتاط من تقلبات طقس المدينة الذي لا يعرف الاستقرار.
اضطر لمغادرة طاولته المرتبة وسط جزء من الحديقة العمومية الملاصقة لمقهى يتسع كلما تمددت كراسيه وطاولاته المكتظة بأشخاص لا يبالون باحتلال الحديقة ورصيف الشارع الذي يضطر بعض المارة للجوء إليه.
* * *
حمل فنجان قهوته وقارورة الماء وقصد الفضاء الخارجي الأصلي للمقهى، بعد قيامه بجولة سريعة بعينيه داخل قاعتها الداخلية ولم يجد له مكانا فيه.
كل الجنبات كانت ممتلئة، جمهور غفير من كل الأعمار والأجناس يتابعون مباراة كرة القدم في الشاشة الكبرى التي تتوسط المقهى.
ورغم انه لا يستسغ ارتشاف فنجانه في هذا الجو المشحون بالحماس، بحث عن مكان يأويه من ريح اخترقت جسده، بلا شروط.
* * *
بعض الأصوات تعلو وتخبو، لم ينتبه ان مكانه الجديد أمام طاولة سيدات منهمكات في تجاذب اطراف حديث صاخب. لا تكترثن بما يحدث حولهن.
كان يفضل الجلوس وحيدا وبعيدا شيئا ما عن الجميع. كما يقول.
يهوى الاستمتاع ببعض الهدوء بين الفينة والأخرى في هذا الفضاء الجميل.
* * *
بعد عدة ثواني فقط من جلوسه، بدا ينتبه لأصوات قوية تصله مرتفعة ومتسارعة في نفس الآن.
السيدات المحترمات، كأنهن يصرخن في أذنه.
نظر خلفه، حاول تجاهل ذلك بادئ الأمر.
وبعد مدة وجيزة لم يعد يقو على التحمل.
بدا يشعر برأسه تؤلمه من عنف أصواتهن.
* * *
بدأ تذمره يتصاعد، وازداد حدة حين أخذ يركز معهن اكثر.
أصبح في حاجة لوفف هذا العنف الصوتي الذي يتعبه ذهنيا ونفسيا.
أصبح يشعر بانزعاج شديد، وبشكل لا يحتمل.
تساءل مع نفسه:
– ربما تتشاجرن هؤلاء السيدات أو لديهن آراء مختلفة من حدث او أحداث معينة، قبل أن يميز حرصهن على طلاقها منه.. ؟؟؟
* * *
– لا يمكن أن تبقى زوجة له…
– يجب أن تغادر بيته اليوم قبل الغد…
– يجب أن تذهب إلى حال سبيلها…
– عليه أن يضع لها مؤخر صداقها ومستحقاتها دون مناقشة.
– ضروري من طلاقها فورا…
– ضروري، ضروري جدا…
-2-
ضجيجهن حول المكان إلى ما يشبه سوقا طارئا أحدثه باعة جائلون لتصريف بضاعتهم، أول الأمر، بين الظهيرة والمساء، قرب المسجد المحاذي لمنزلهم.
كانت السلطات تمنعهم أحيانا، وأصبحت تفتح الطريق لمرور سيارات جيران السوق إلى منازلهم، ثم تغاضت عن ذلك مؤخرا. بمبررات مؤقتة متعددة (الهاجس الأمني، عدم توفير الجماعة لبديل لهم، تقريب السلع من سكان الحي، رغم أن أغلب الزبناء يحجون إليه من خارجه،… ضمان حد أدنى من الكسب لتجار صغار وحماية لقمة عيشهم…).
خلف هذه المبررات المتكررة يختفي هاجس الحصول على أصوات التجار وعائلاتهم بالنسبة للبعض، وينمو طموح بعض المسؤولين ومساعديهم في جني المزيد من المكاسب لهم ولمن يستفيد معهم من ذلك.
* * *
أصوات المنادين تعلو بأسماء السلع المتوفرة وخصوصا الخضروات. يتنافسون لبيع ما تبقى لديهم لجلب منتجات جديدة في الغد. لعرضها هنا في المساء، ثم ابتداء من الصباح، وطيلة اليوم.
ربما ليس لهذه الدرجة تبلغ حدة أصواتهن، لكن تأثيرهن المزعج قوي جدا عليه.
-3-
لام نفسه كثيرا على ربط إزعاج هؤلاء السيدات له بأحجامهن.
اعترف،، مع نفسه، بأن ذلك نوع من التنمر والعنصرية، لا يقبله على نفسه، ولا على صديقات له أيضا.
– كيف نقوم بالتنمر على أشكال واختلافاتنا عن بعضنا، بكل سهولة ؟!.
تذكر كيف كان يقوم رفقة أصدقائه بحركات غير مناسبة وأحيانا مخلة، والحديث أو الصراخ بأصوات مرتفعة تزعج الآخرين، وهم يتراقصون، يمزحون ويضحكون…
خاطب نفسه قائلا:
– كنا صغارا!
وأضاف:
– غالبا ما ننتقد تصرفات لا ننتبه لقيامنا بمثلها وبضررها على غيرنا وعلى المجتمع.
عند قيامنا بها لا نهتم لسوئها.
* * *
كان يعرف سيدات بدينات، بدينات جميلات وطيبات،. أرواحهن مرحة، وأصواتهن عذبة.
خمن أن الجالسات خلفة شريرات، وشريرات جدا، يتآمرن على سيدة مثلهن.
حتى وإن كن على حق، أو يدافعن على هذه المرأة التي تردن تطليقها لإنصافها، لا يمنع ذلك من ملاحظة تنافسهن الشديد في نفث سمومهن…
وان أصواتهن التي تعذبه، وطريقة كلامهن التي تصيبه بالألم في رأسه وجهازه العصبي وفي المعدة وجسمه كله، دليلا ساطعا على ذلك.
* * *
– كلما اجتمعت كائنات كهذه يحل الخراب… هه .
تذكر صديقته (البدينة) تقول كلاما كهذا وتضحك بوداعة.
وأضاف:
– قد لا تكون كلهن شريرات، أو لا توجد شريرة حقيقية بينهن.
لكن اجماعهن على نفس الفكرة القاسية جعلهن يتنافسن في القسوة.
– ربما تجتهدن في النيل من تلك السيدة، أو من زوجها.
– قد تكون قريبة لهن، ويردن مساعدتها (بتفكيك أسرتها وإرباك أطفالها أكثر!).
ربما كن على حق، ويعبرن عن غيرتهن عليها بتلقائية مفرطة قد تكون متأصلة فيهن.
* * *
للحظات، حاول لفت انتباههن للضجيج الذي تحدثنه بوضع يديه على رأسه والنظر اتجاههن، بطريقة تدعوهن لخفض أصواتهن قليلا.
تمنى لو تم تخليص أصواتهن من بعض الصراخ والزعيق المزعج، حتى لو واصلن الحديث بصوت مرتفع.
كان يمكنه تحمل ذلك.
فكر في قول ذلك لهن مباشرة. أو مناداة النادل ودعوته للتدخل. تخوف من أن يجد نفسه في نزاع لا يحتمله.
ربما لم تنتبهن أو تتفهمن للضرر الذي لحقه من تصرفاتهن تلك.
وقد تكون إحداهن طائشة أكثر وتريد إظهار قدرتها على التصدي لمن تعتقد أنه يريد النيل منهن.
* * *
أشار إلى النادل ليأتي إليه، أدى له مقابل طلبيته.
أومأ إليه بإشارة إليهن، ابتسم النادل…
وانصرف.
18 غشت 2023

