تشخيص الحضارة الغربية في فلسفة الألماني أوسڤالد شبنغلر

ذ هشام حسنابي

يمكن إسقاط الرؤية الإستشرافية ل شبينغلر في كتابه “أفول الغرب” ببعض القرارات العدوانية لبعض الدول الغربية ضد المغرب.
يعرف الفيلسوف و المفكر الألماني الكبير اوسفيلد شبينغلر بفيلسوف الحضارة كما يستشف من مضامين كتابه المركزي او عمله الرئيسي الموسوم “« افول الغرب»، حيث قدم دراسة شاملة كاملة وافية عن الحضارة من مختلف جوانبها، و ضمن الدراسة إشارات و دلالات غاية في الأهمية ، و مع ذلك فالدراسات الفكرية آنذاك استقبلت الدراسة بنوع من الحذر ،حيث أثار شبينغلر واقعا و ضجة كبيرين جدا ، و ترك أثرا كبيرا عند كل معاصريه و على كل من أتوا من بعده ، و ربما هذا الأثر موجود بشكل أو بآخر لغاية اليوم، و تحديدا فالكتاب ترك أثرا تشائميا و ليس اثرا تفائليا.
لقد كان كتاب «أفول الغرب» كما يمكن ان نستشرف من العنوان يبشر بانتهاء الحضارة الغربية، و هكذا عزز الكتاب ذلك الشعور النزعة التشاؤمية التي أصلا كانت موجودة في الغرب و تحدث عنها فلاسفة كبار جدا ،و بإمكاننا القول أن شوبنهاور هو ممن زرع هذه النزعة التشاؤمية على إثر دخول القارة الأوروبية في المجهول ، و على وقع مجمل الواقع المتردي الذي نشأ بعد هزيمة نابوليون ، و من تم من مرحلة لاحقة سقاها نيتشة باستشراف ماهو قادم من مستقبل قاتم لمجتمع الحداثة ،إضافة لكتاب و فلاسفة و مفكرين كثر ، سلطوا الضوء على أزمة الحضارة الغربية و على أزمة العالم الغربي و على أزمة انسان العالم الغربي، و لنقل أن شبينغلر في كتابه «أفول الغرب» قام بعملية فلسفة التاريخ و بدأ بها منذ البدايات الغربية ، و الأمر المهم في دراسته أنه شبه الحضارة بالكائن الحي و تحديدا بالإنسان من حيث دورته الحياتية ، و من حيث طبيعته ،فمثلا سنرى أن شبينغلر سيقسم الحيوانات إلى فئتين أو نوعين ؛ نوع مفترس و نوع هو الفريسة. لكن الملفت في الأمر أن شبينغلر وضع الكائن البشري على رأس هرم الحيوانات المفترسة ، على اعتبار أن الحيوان المفترس الكامل الصفات أو الحيوان المفترس الوحيد الذي يقدم على الافتراس من دون وجود دوافع غريزية أساسية ، فالحيوان المفترس يقدم على الافتراس بدافع من الجوع أو بدافع من الخوف في حين أن رغبة الافتراس عند الانسان موجودة و حاضرة دائما و أبدا ، سواء أكان هذا الانسان جائعا ام خائفا أو لا.
فحياة الانسان كما يقول شبينغلر تقوم في جوهرها على مفهوم الافتراس و هذا الافتراس قد يتظهر بعدة أشكال،مثلا على شكل رغبة مفرطة في القوة و رغبة مفرطة في التفوق و التسلط على الآخرين في الاستئثار بكل شيء ، حتى لو كان الأمر على حساب الآخرين ، و طبعا بالارتكاز على هذه الفكرة الأساسية سنرى أن شبينغلر سينتقل إلى الحديث عن الحضارة او عن مفهومه للحضارة ، لكن هذه المرة بطريقة بيولوجية طبعا ليؤكد استقلال الحضارات استقلالا فتيا، و ليؤكد ثانيا أن الحضارة تشبه الكائن البشري ليس فقط من حيث دورته الحياتية ، و إنما أيضا من حيث طبيعته العدوانية و الإفتراسية، و أولا من حيث الدورة الحياتية ، فكما أن الانسان يولد و ينمو و ينصح و من تم يشيخ و يموت، كذلك الحضارة أيضا تولد و تنمو و تنضج و تصل إلى مرحلة النضج ، و من تم يبدأ الانحذار فتدخل في مرحلة الشيخوخة، و من تم الموت فالاندثار ، و ثانيا من حيث طبيعة الكائن البشري ، أيضا الحضارة تشبه طبيعة الكائن البشري كما يقول شبينغلر ، فكل حضارة تقوم أصلا على افتراس حضارات سابقة عليها أو الموجودة بدافع رغبة القوة و التفرد ، لينتهي شبينغلر أن الدور أتى الآن على الحضارة الغربية التي راها قد دخلت طور الشيخوخة ، طبعا هذه الحضارة الغربية بحسب حسابات شبينغلر قامت حوالي ألف سنة قبل ميلاد المسيح و هي الآن في طورها الأخير ، و عندما يقول شبينغلر المرحلة الأخيرة هذا لا يعني بضعة سنوات مثلا في المستقبل، فالطور الأخير قد يمتد إلى فترة ليست قصيرة و لكن في نهاية المطاف فالزوال و الانتهاء و الاندثار حتمي .
أيضا بإشارة لافتة يرى شبينغلر أن الحضارة التي تدخل في المرحلة الأخيرة لعمرها الحضاري الافتراضي لم تعد في هذه المرحلة تأتي بأي جديد، طبعا في مرحلة النضج في أي حضارة تبدأ بالإبداع و النضج ، أما في المرحلة الأخيرة مرحلة الشيخوخة فلا تعود بأي جديد أبدا ، فتجتهد في إظهار نشاط داخلي سواء كان اقتصاديا أو سياسيا يظهرها ، و كأنها مازالت متوقدة من الداخل. ولكن هذا برأي شبينغلر لا يعني أنها لازالت شابه، بل في مرحلتها الأخيرة ، و هذا يشبه النزع و الاستماتة من أجل البقاء عند كل كائن حي ، و ارتكازا على الفكرة الأساسية عند الإنسان المفترس هنا سيقدم شبينغلر إشارة لافتة أخرى، فإنسان الحضارة الغربية هو ذلك الإنسان المفترس الذي سيحاول بكل ما أوتي من قوة التصدي و مقاومة هذا المصير الحضاري المحتوم ، و هذا برأي شبينغلر ما سيدفع تحول هذا الانسان لمزيد من العنف و مزيد من القوة المفرطة و هذا ما سيؤجج بداخله تلك الرغبة في الإفتراس و في العدوانية و ممارسة القسوة بكل أشكالها سواه تجاه الداخل أو تجاه الخارج.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.