محمد النخال
عانَقَتْني والدّمْع يسْبِقُها مُتَساقِطا على رَوابِي وَجْنَتَيها المُوَرَّدة، كحَبّات المَطر المُنْهَمِرة على شِفاه زنابِقَ بَرّية، رفعَتْ رأسَها، ونَظَرَتْ إليّ نَظْرَة المَغْشِيّ عليه من فَرْط التَّعَب، وارْتَمَتْ في حُضْني، كَطَريدَة تَحْتَمي من بَطْش نَسْرٍ جَبّار عَنِيد، تَبْغي الأمان في وَكْرٍ دَافِئ، وناحَتْ نُواحَ ثَكْلى مَكْلُومَة، بكَلماتٍ مُبَعْثَرَةٍ، بَعْثَرَةَ الأفْكارِ في مُخَيِّلَة العاشِق، يَخْتَلِجُها الأسَى، ويُخالِطُها الكَدَر، بالكادِ وَصَلَتْ إلى مَسامِعي، غيْر أن صَداها تَرَدَّد بيْن ضُلُوعي، تَرَدُّدَ هَدِيرِ الأمْواج المُتَلاطِمَة على الصُّخُور في الشِّعابِ الخَاوِية، تَبَيَّنْتُها فإذا بها تَقُول:
لا تَرْحلْ يا حَبِيبي، لا تَرْحَلْ، فأنتَ كُل ما تَبَقّى من فَرْحَتي، فإن رحَلْتَ عَنّي يا حِبُّ، سادَتْ دُنْياي العَتَمة القاسِية، واسْتَوْطَنَتْني قُرْحَتي.
سَكَتَتْ بُرْهَة، فخَفَتَتْ أنْفاسُها، كمُحْتَضِرٍ يُصارِعُ فُرْقَة الحَياة، تَسارعَتْ دَقّاتُ قَلبِها، تَسارُعَ خَيْل جامِحَة في سَاحَة الوَغَى، ثم تنَفَّستْ بعُمْق، وكأنّها تَسْتَجْمِع قواها، اسْتِعْدادا لَخَطْبٍ جَلَل، وأمْسَكَتْ بِتلابِيبِي بِشِدّة، كما يُمْسِكُ صَبيّ جائِع بِثَدْي أمّه، وكأنّها تَمْنَعُني من الفِرار، وتَنَهّدَتْ بقُوة فتَصاعَدَتْ زفَراتُ أنْفاسِها كَحِمَم بُرْكان مُسْتَعِر، لَفَحَ لَهِيبُها صَدْري، وشَوَى شُوَاظُها أوْصالِي، ثُم أجْهَشَتْ بِبُكاءِ “ابْن الرُّومي” وكأنّي بها تَوَدُّ قَوْلَ ما قالَهُ في رِثاءِ ابْنِه لِعَيْنَيْها:
– بُكاؤُكُما يشْفي وإنْ كانَ لا يُجْدِي
– فجُودَا فَقَدْ أوْدَى نَظِيرُكُمُا عِنْدي
– بُنَيَّ الذّي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَى
– فَيَا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرَة المُهْدِي
ثم تَرادَفَتْ كَلِماتُها المُتَقَطِّعة وَواصَلَتْ نَحيبَها قائِلة:
أسْتَحْلِفُكَ يا حَبِيبي وقُرَّةَ عَيْني، بآسْمِ الجَوَى الذّي لأضْلُعي كَوَى، لا تَرْحَلْ، فأنْتَ مُلْهِمِي في الهَوَى، أنا الزَّهْرَة الذَّابِلَة وأنْتَ النَّدَى، أنْتَ البَدْرُ المُنِيرُ، وأنا مَنْ فِي عَتَمَةِ جُبِّ الغَرَامِ حُبُّكَ قَدْ رَمَى، أنْتَ سَنَدِي وَعَوْنِي، فلا تَكُنْ أنْتَ والزَّمان عَلَيّ.
بِربِّكَ كيْفَ تَجْرؤُ على الرّحِيل، وأنْتَ شَطْري الثّاني، الذّي عادَ إليّ بعْدَ أنْ افْتَقَدْتُه مُنْد مّجِيئي لهَذا العالّم.
يا حَبِيبي، عنْدَما دَخَلْتَ إلى دُنْياي، أدْخَلْتَني بِحَنانِكَ إلى فِرْدَوْس الأحْلام، وعَرَفْتُ في حُضْنِكَ مَعْنى الإطْمِئْنان، فإنْ رحَلْتَ عَنَِي اليَوْم، خَرَجْتُ منْه خُرُوجَ آدَم من الجِنان، فلا تَكُنْ تِلْك التُّفاحَة سَبَب تَعاسَتي.
أيُّها الظَّالِم، ما كنْتُ قَبْلكَ كائِنَة، فَكَيْنُونَتي كائِنَة بِكَيْنُونَتِكَ، وَوُجُودي يَسْتَمِدُّ وُجُودَه بِوُجُودِك، فإنْ رَحَلْتَ عنِّي، لمْ يَعُد لِوُجُودي مِنْ غَيْرِ وُجُودِكَ وُجُود.
أيُّها الغادِر، أسْتَحْلِفُكَ بكُلِّ رَشْفَةِ حُبٍّ ارْتَشَفْناها مَعا مِنْ مَعِين العِشْق الزُّلال، وبِكُل لَحْظة هُيامٍ عِشْناها بَيْن رَدَهاتِ الغَرَام، وتاهَتْ فِيها قُلُوبُنا في سَراديبِ الوَجْدِ الأفْلاطُوني، انْتَشَيْنا، ولَهَوْنا مَعا كالأطْفال في رَدَهات الأحْلام، فإنْ رَحَلْتَ عنِّي، كَسَدَتْ رُوحِي، وبارَتْ مُهْجَتي، وكَسَتْ جَسَدي النَّحِيفَ كَدَماتُ الأحْزان.
أسْتَحْلفُكَ بكُلِّ عِناقٍ حَوَّلَ جَسَدَيْنا إلى كِيانٍ واحِد، يَسْري في عُرُوقِنا دَمٌ واحِدٌ، لا تَرْحَلْ.
ياسَيِّدي، يا بارِقَةَ أمَلي، يا وَشْما على خَدِّ عَذْراء غَجَرية، يا فارِسَ أحْلامي، يا كُلَّ مُنايَ وأفْراحِي، لا تَرْحَل.
أسْتَحْلِفُكَ بكُلِّ رَشْفَةِ رَحِيقٍ مُعَتَّقَة، نَهَلْتَها مِنْ مَعِينِ شَفَتَيَّ، وسَكَبْتَ فِيهما جَدْوَة الحَياة بِقُبُلاتِكَ وحَوَّلْتَهُما إلى جِنان، لا تَرْحَلْ، فَتُصَيِّرُهما إلى فَيافٍ بَوار، وبَواسِقَ بلا أغْصان.
اِعْلَمْ ياحَبِيبي، فأنا بِدُونِكَ مَساءٌ بلا غُرُوب، أنا بِدُونِكَ نَيْسانٌ بلا رَياحِين، وصَيْفٌ بِلا فَواكِه، بِلا عِنَبٍ ولا تِين، وأنا بِدُونِكَ، خَرِيفٌ بِلا رُمَّان، وشِتاءٌ حالِكٌ بلا دِفْء، ومُشَرَّد بِلا أوْطان.
أنَسِيتَ يَوْم كُنّا كالبَلابِل المُغَرِّدَة على الأفْنان، تَهْمِسُ في أذُني بِصَوْت النَّاي الشَّجِيّ، فأخَالُنِي فَراشَة لا هِيَةً بيْن فُلُول الياسَمِين، أرْتَشِفُ بِنَشْوَةٍ الرَّحِيقَ، فَتَمِيلُ على شَفَتَيّ مَيْلَةَ الغُزَاةِ الطُّغاة، وتَلْتَهِمُ شَداهُما، وتَسْلُبُ رَحِيقَهُما، وتَبْطِشُ بالوِجْدان، فتَسْكَرُ رُوحِي سَكْرَةً سَرْمَدِيَة، فَيَبْتَهِج الأقْحُوان.
ما أكْمَلَتْ نَحِيبَها بَعْدُ، وقَدْ مَزَّقَتْ فُؤادي، وذَوَّبَتْ حُشاشَتي بِكَلِماتِها التّي خِلْتُها سِهامَ رَام.ٍ بارِع، أصابَتْني في مَقْتَل، حتّى جَذبْتُها إليَّ بكُلِّ قُوة، قبَّلْتُ عَيْنَيْها، وارَتَوَيْتُ من صَبيبِ شَلاَّل دَمْعِها الجارِف، المُنْسَكِب على شَفَتَيْها القُرْمُزِيّة، وعانَقْتها عِناق المُتَلَهِّف العَطْشان، حتّى كِدْتُ أكَسِّرُ ضُلوعَها، وقُلتُ لها بِلُغَة العاشِق الولْهان:
أمَّا وأنَّكِ هَكذا يا حَبِيبتي، فَلَنْ أهْجُرَ دِيرَ هَوَاك، ولنْ أجْحَدَ بِنِعْمَة حُبِّكِ العُذْرِيِّ، ولنْ أبْرَحَ مُتَبَتِّلا مِحْرابَ عِشْقِكِ، سَأظَّلُ مُعْتَكِفا أمَام قِوامُكِ الرَّشِيق، كما يَعْتَكِف مُتَعَبِّدٌ أمام تِمْثال العَذْراء، وأرْقُصُ تَيَمُنّا حَوْل خِصْرِكِ النَّحِيف، رَقْصَة الهُنُود الحُمْر حَوْل النَّار المُقَدَّسَة، سَأكُون عَنْتَرَة العَبْسِيّ وأنْتِ عَبْلَتِي، سَأكُون جَمِيل مَعْمَرِِ وأنْتِ بُثَيْنَتي، سَأكُون “قَيْسَ ابْن الملُوح” وأنْتِ ليْلايَ، وأقُول فِيكِ قَوْلَه:
لوكانَ لِي قَلْبانِ لعِشْتُ بِواحِد
وأفْرَدْتُ واحِدا في هَواكِ يُعَذَّبُ
سَأظَلّ كائِنا بِكَيْنُونَتِكِ، وسََتَكُونينَ أنْتِ بِكَيْنُونَتي، سَأعُود طائِعا لِبَيْتِ الشِّعْر، لِنَمْخُرَ معا عُبابَ القَوافِي، ونَقْضِي مَعا ما تَبَقَّى مِنْ أيّام العُمْر، ولا عَزاءَ لِقُسَاةِ القُلُوب.

