كيف تُصبح وسائل التواصل الاجتماعي اجتماعيّةً حقا؟

ذ عبد اللطيف شعباني بتصرف

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قناةً لابد منها للنقاشات العامة، لكنّه من النادر أن يُنظرَ إليها كمكسبٍ للديموقراطية، بل على الأكثر تُفهَم بأنها ناقلٌ للأخبار المزيّفة ونظريات المؤامرة ورسائل الكراهية. في عام 2017 ، توصلت الحكومة الفدرالية في سويسرا إلى نتيجة مفادها: “لا حاجة إلى تنظيم جديد لوسائل التواصل الاجتماعي”.في الوقت نفسه تزداد المخاوف بأن الشركات الخاصة لتقنية المعلومات تمارس على وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلالها مزيداً من السلطة، وإن هذه الشركات ستجعل الأصوات غير المريحة بالنسبة لها تختفي.

لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى سلطة أقوى من الحكومات والدول وهي ليست قادرة فقط على “تعبئة وتحريك المستهلكين بل الجماهير الانتخابية”، كما حدث في الانتخابات الأمريكية عام 2016 واقتحام الكونغرس الأمريكي هذا العام.

هل يجب الحدّ من نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي؟

تحدثت ماريتشى ساكى، رئيسة معهد السلام الإلكتروني في جنيف عن التحديات الاجتماعية والسياسية غير المسبوقة في عصرنا الرقمي…
ما الذي يجب أن يحدثَ حتى يُنظرَ مرةً أخرى إلى التواصل الاجتماعي في الإنترنت كمكسب للديموقراطية بشكلٍ أساسي؟ أين تكمن المسؤولية في إيقاف الاستقطاب المتصاعد؟

بينما يبحث المستوى السياسي جاهداً عن حلول، ومشغّلو وسائل التواصل الاجتماعي أنفسهم مصابون بالإعياء من جراء ذلك، يكمن الحل في المجتمع المدني.

في جميع أنحاء العالم تحاول البُلدان أن تتغلبَ على المشاكل بقوانينَ وتنظيماتٍ جديدةٍ. ألمانيا تأخذ في هذا المجال دور الرائد، وذلك من خلال “قانون تمشيط الشبكة”. ينطبق هذا القانون على أي منصة من المنصات في ألمانيا يكون لديها أكثر من مليوني مستخدم ومستخدمة. يجب على هذه المنصات أن تهتم بفحص الشكاوى بعناية وإزالة جميع المحتويات المخالفة للقانون خلال أربعٍ وعشرين ساعة. في العام 2019 توجَّبَ على شركة فيسبوك أن تدفع غرامة بلغت مليوني يورو، لأنها لم تمتثل لهذه القواعد.

لقد حدّد مركز الأبحاث الدنماركي “يوستيتشيا” ما مجموعه 25 بلداً ناقش أو طبق قوانينَ استلهمها من “قانون تمشيط الشبكة” الألماني، وذلك حتى أكتوبر من العام 2020.

لكن الإشكالية تكمن هنا: إن الفكرة الأساسية للنموذج الألماني يُمكن أن يُساءَ استخدامُها بسهولة من قبل الحكومات الأقل ديموقراطية. “يوستيتشيا” تشير في تقريرها بأن “قانون تمشيط الشبكة” يحتوي على ضمانات دستورية وحماية لحرية التعبير عن الرأي لا تتبناها جميع الدول بشكلٍ متساوٍ. على هذا الأساس تريد الهند وفقًا لقواعدَ جديدة حظر المحتويات التي تهدد “وحدة الهند وسلامة أراضيها وسيادتها وأمنها والدفاع عنها”، وتلك صياغة تبدو، كما هي مصممة، لإسكات الأصوات غير المحبّذة.

كذلك روسيا في تشريعاتها ضد الأخبار المزيّفة تشير بوضوح إلى المثال الألماني في “قانون تمشيط الشبكة”. لكن إلى جانب ذلك وُضِعت في العام 2020 الأطر القانونية التي تشل الإنترنت على الفور وبشكلٍ تام، وذلك في “حالة طوارئ” غير محددة المَعالم.

ما يعتبره البعض محاربة لخطاب الكراهية، يستغله البعض لفرض المزيد من الرقابة. من الواضح لبيترا غريم ، أستاذة الأخلاق الرقمية في جامعة شتوتغارت للإعلام ، أن حرية الرأي لا تعني ببساطة القدرة على قول أي شيء دون عوائق: “حرية الرأي ، مثل الحرية من حيث المبدأ ، مرتبطة دائمًا ببعض الحواجز”.
في بولندا ، اندلعت المواجهة في أعقاب نزاع طويل الأمد بين فيسبوك وسياسيين من الحزب الحاكم ، الذين نشروا بشكل متكرر رسائل مناهضة لمجتمع الميم على وسائل التواصل الاجتماعي ، وبالتالي تم حظرهم من المنصة.

بينما تنشغل معظم البلدان بمنع المحتوى الخطير أو غير المحبَّذ في الإنترنت، فإن بولندا والمجر تتبعان منهجًا آخر حيث تريدان منع فيسبوك وغيره من حظر صفحات المستخدمين، وذلك طالما أن المنشورات لا تخرق قوانين البلاد. وزير العدل المجري كتب على فيسبوك في فبراير الماضي بأن وسائل التواصل الاجتماعي الكبيرة تريد تقييد “الآراء المسيحية والمحافظة واليمينية”. وفي بولندا جاءت المواجهة بعد نزاعٍ استمر طويلاً بين فيسبوك وسياسيين من الحزب الحاكم نشروا على وسائل التواصل الاجتماعي محتوىً معادٍ لمجتمع المثليين والمثليّات والمتحولين والمتحولات جنسيًّا وثنائيّي وثنائيّات النزوع الجنسي (LGBT)، فتم حظر حساباتهم.

ذلك يُظهر بأن ما يصلح للبعض كمحاربة للكراهية يشكّل للبعض الآخر رقابة. وبما أن حرية الرأي لا تعني ببساطة أن يُسمح بقول كل شيء بلا كوابح، فإنه مما لا يقبل اللبس بالنسبة لـ “بيترا غْرِم”، أستاذة الأخلاق الرقمية في كلية الإعلام في شتوتغارت، بأنَّ: “حرية الرأي، كما هي الحرية بشكل عام، مرتبطةٌ دائمًا بقيودٍ معينة”.

لا توجد في سويسرا حتى الآن تنظيماتٌ قانونية متناسبة مع وسائل التواصل الاجتماعي بشكل محدد.
وترى الناشطة في الشبكات يولاند شبيس-هيغلِن المتحدرة من كانتون تسوغ والناشطة من خلال جمعية (Netzcourageرابط خارجي أو “شبكة الشجاعة”) غير الربحية ضمن الجبهة الأمامية ضد الكراهية في الشبكة العنكبوتية، أن هنالك حاجةً إلى التصرف وتقول: “وزيرة في الحكومة الفدرالية عليها أن تقرر: نشكل الآن مجموعة عمل ونصيغ قانونًا لخطاب الكراهية”.

وتضيف الناشطة يولاند : “من السهل التفلت من الدعوات التمييزية أو الخبيثة، بحيث يقول المرء إنه تعرض للاختراق أو إن شخصًا آخرَ كان يستخدم جهازه”.

من ناحيتها، تؤكد بيترا غْرِم على أن الواجب لا يقع على المستوى السياسي فقط، بل “إنها أيضًا مسؤولية شركات تقنية المعلومات، كما إنها مسؤوليةٌ تتعلق بمراقبة الذات”، كما تقول.

وتكاد المنصات الاجتماعية التجارية لا تتغير جوهريًّا من تلقاء نفسها. تقول غْرِم: “إن المشكلة الأساسية بِنيوية، فالأخبار المدهشة والملفتة للغاية والتي تتجاوز الحقيقة بعض الشيء، أو في المقام الأول الأشياء التي تحرّض الأمزجة والنفوس، هي في الغالب التي يتم النقر عليها. والنقرات بطبيعة الحال هي العمل التجاري لوسائل التواصل الاجتماعي”

أمّا شبيس-هيغلِن فتختصر الأمر على الشكل التالي: “وسائل التواصل الاجتماعي تسمح بخطاب الكراهية لأنه يجلب النقرات ومعها الأموال”

فما هو المخرج إذن؟؟؟؟

“هنالك حاجة إلى شبكات اجتماعية بديلة تسير وفقًا لمبادئ وعي قانوني عام يجعل التواصل ممكنًا دون أن يُستغَل تجاريًّا”، ترى غْرِم.

ما يدور في ذهن البروفسورة موجودٌ مسبقًا؛ مثال على ذلك في تايوان: منصة (PTT) التي غالبًا ما تُسمّى “رَديت تايوان”، تُموَّل من الجامعة الوطنية بعيداً عن أموال الدعايات أو المساهمين.

وتطرح أودري تانغ، وزيرة شؤون الرقمنة في تايوان، وفي لقاء مع SWI swissinfo.ch، هذا النظام كمثالٍ ذي قيمة كبيرة اجتماعيًّا مقابل الشركات التجارية التي تصفه بأنه وسيلةٌ غير اجتماعية.

من جهة اخرى يدعو البروفيسور” بيترا غريم Radmila Kerl”: إلى بناء ثقافة للفضيلة في وسائل التواصل الاجتماعي من جهة المستخدمين”، كما تعرب” غْرِم” عن قناعتها أيضًا وتقول: “نحتاج إلى طرح جديد، وهذا الطرح يجب أن يكون أكثر تفاؤلًا وأكثر استنادًا إلى القيَم، إنه يحتاج إلى جهودٍ مع دعم سياسي، كي نصنعَ البدائل لعمالقة التقنية التجاريين.و يجب أن يكون أوروبيًّا على الأقل.




قد يعجبك ايضا