الكاتب والناقد مجد الدين سعوي يصدر كتابا جديدا بعنوان “بنيات التكوثر في أعمال إدريس أمغار مسناوي”

عبد العزيز برعود

صدر للكاتب والناقد مجد الدين سعوي كتاب جديد بعنوان «بنيات التكوثر في إبداعات إدريس أمغار مسناوي»، في 226 صفحة عن دار الأمل.

وهو عمل لا يكتفي بأن يكون إضافة نوعية إلى رفوف المكتبة الأدبية والنقدية، بل ينهض بوصفه مشروعا قرائيا متكاملا، ينحت لنفسه أفقا تأويليا رحبا، ويؤسس لمسار نقدي ينصت لخفوت النص بقدر ما يحتفي بانفجاراته الدلالية.

في هذا الكتاب، يجد القارئ مختارات وازنة من المتن الزجلي الغني للمبدع إدريس أمغار مسناوي، مختارات لا تقدم بوصفها شذرات معزولة، بل ككواكب داخل مجرّة نصية واحدة، تتجاور فيها التيمات، وتتقاطع الرؤى، وتتكاثر المعاني في انبثاقاتها المتجددة. إن الغاية من هذا الاختيار ليست تجميعا انتقائيا فحسب، بل هي فعل تقريب جمالي ومعرفي لتجربة اختارت أن تنمو في الظل، بعيدا عن ضجيج الواجهة، وأن تؤسس مجدها في عمق اللغة لا في سطحها.

رحلة الناقد داخل هذا الفضاء لم تكن عابرة، بل امتدت سنوات من الألفة المعرفية والمصاحبة الجمالية، حيث يتحول القارئ إلى كائن تأويلي يقيم داخل النص لا خارجه، ينصت إلى طبقاته الخفية، ويلاحق تحولاته، ويرصد لحظات تكوثره وهو يعيد إنتاج ذاته في كل قراءة.
هنا، لا يكون “التكوثر” تراكما كميا، بل انبثاقا نوعيا، دينامية داخلية تجعل النص مفتوحا على احتمالات لا تستنفد، وعلى جدلية خصبة بين الامتلاء والانفلات، بين الحضور والغياب، بين ما يُقال وما يؤجل.

من هذا المنظور، يغدو نص إدريس أمغار مسناوي فضاء تخييليا حيا، يقاوم التثبيت، ويرفض الاختزال، وينفلت من قبضة القراءة الأحادية، مستدعيا قارئا يقظا، مشحونا بحس السؤال، ومؤمنا بأن المعنى ليس معطى جاهزا، بل أفقا يُبنى بالتأمل والتفكيك والتجاوز.

وإذا كانت هذه المختارات تفتح بوابة الولوج إلى عالم “دام” (الاختزال الرمزي لهوية إدريس أمغار مسناوي)، فإنها تكشف، في الآن ذاته، عن ثراء تيماتي لافت، حيث تتوزع التجربة بين الإنسان والكتابة والحياة، في تداخل عضوي يجعل من الإنسان مركزا كونيا للمعنى، ومن الكتابة سؤالا وجوديا، ومن الحياة خمرة جمالية تُرتشف حتى الثمالة.
فالإنسانية عنده ليست شعارا، بل أفقا كونيا مشبعا بالقيم الروحية، تتخلل النصوص وتمنحها عمقها الأخلاقي.

والكتابة ليست فعلا تقنيا، بل معاناة وجودية، ووعي بعبء القول في مجتمع ما تزال فيه الكلمة تؤدي ضريبة حضورها.
أما الحياة، فهي نبع دائم، تتجدد فيه الرؤى، وتتوهج عبره التجربة في بعدها الحضاري والاستشرافي.

وتحضر المرأة في هذا المشروع بوصفها كينونة عليا، لا كموضوع عابر، حيث تستعاد رمزيتها الكونية، وتُرفع إلى مقام الجمال المطلق، كما يحضر الجسد ليس باعتباره مادة، بل بوصفه لغة أخرى للمعنى، ونصا موازيا للوجود.
أما الحواس، فهي ليست مجرد أدوات إدراك، بل مفاتيح رمزية مشحونة بإرث ثقافي عميق، تتحول معها القصيدة إلى فضاء إشاري غني، تتقاطع فيه الأمثال والحكم وبنيات القول الشعبي الرفيع.
وفي بعد آخر، يتوهج الضوء كرمز مركزي، ينبثق من قيم الفرح والجمال والحرية، ويتحول إلى طاقة محركة للكتابة، فيما تنفتح التجربة على الأسطورة، خصوصا في بعدها الإفريقي والأمازيغي، بما يكشف عن وعي عميق بالذاكرة المنسية، ورغبة في إعادة بنائها إبداعيا.
كما يتخذ البياض بعدا جماليا خاصا، حيث يصبح فضاء للتأمل، ومجالا لاستنطاق الصمت، ومرآة لمخيلة الشاعر وأسئلته الوجودية.
ولا تقف هذه التجربة عند حدود الحاضر، بل تمتد نحو المستقبل في أفق كوسموسي واسع، حيث تتعانق الكتابة مع الحلم الكوني، وتتحول إلى مشروع استشرافي يتجاوز الجغرافيا نحو مجاهيل الوجود.
إن هذا العمل، في بنيته وتقسيماته، يعكس وعيا نقديا رفيعا، يزاوج بين صرامة المنهج وشفافية الرؤية، ويمنح كل نص استقلاله داخل شبكة كلية من العلاقات. كأننا أمام خريطة سرية لإبداع متشعب، لا تُقرأ دفعة واحدة، بل تُرتل كما تُرتل النصوص الصوفية، بتؤدة وانخطاف، حيث القراءة ضربٌ من المكاشفة، والنقد شكلٌ من أشكال العشق المعرفي.
في هذا الأفق، يتحول النقد إلى فعل محبة، وإلى مصاحبة فكرية خلاقة، لا تكتفي بشرح النص، بل تسعى إلى إعادة خلقه داخل أفق جديد. وهنا تكمن القيمة العميقة لهذا المنجز: في كونه لا يغلق الدلالة، بل يحررها، لا يختزل النص، بل يوسعه، لا يستهلك المعنى، بل يعيد إشعاله.

هنيئا لنا وله بهذا الإصدار الذي لا يضيء فقط عوالم إدريس أمغار مسناوي، بل يكشف أيضا عن صوت نقدي ناضج، يكتب بوعي فلسفي، ونَفَس تأويلي عميق، يليق بالأدب حين يصير سؤالا في الوجود، ومرآة للإنسان وهو يبحث عن ذاته في مرايا اللغة.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.