التصوف ودوره في تهذيب وتأديب السلوك ( التصوف من أثافي الاستقرار النفسي والسكون الاجتماعي)

ذ صلاح الدين مكرودي

لقد التجأ المسلمون بعد القرون الأولى إلى التصوف إذ وجدوا فيه الملجأ والمأوى الآمن بعد ان شاع البذخ و انصرفت النفس نحو الشهوات خاصة بعد القرن الثالث الهجري الذي شهد عزوف طائفة من الصلحاء عن ملذات الدنيا و البسوا خرقتهم لباس الزهد واستجلاء مظاهر التعبد بالذكر والعبادة، تربية للنفس ومران الجسد ، على تحمل سلوكات تعبدية تميل إلى الرهبنة والانعزال عن الواقع ، إلى أن أصبح التصوف مدرسة من المدارس التي ساعدت على ضمان استقرار الأمم، لما لعبه من دور في ذلك التوازن السياسي فكان الركيزة الاجتماعية ، والحامل الثقافي ، والمدعم العسكري … لهذا قد نقتصر على حلقات تبين لنا معنى التصوف الحقيقي البعيد عن التصورات الابتداعية والخالي من الزيف والأكاذيب التي تحوم حوله .
للاستهلال لابد لنا من ان نعرف معنى التصوف أو فقه السلوك لكي نتمكن من فهم وتذييل المفاهيم المفتاح لتيسير الولوج إلى ما يمكن مناقشته في هذا الطرح.
أما تعريف التصوف أو فقه السلوك او فقه الاخلاق -له مصطلحات متعددة – وذلك لتعدد تعريفاته بوفرة تأثيراته ، فالتصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات، وترك المذموم منها والابتداعات ، لهذا ذكر الامام الجنيد وهو عمدة في هذا المجال، وهو مذهب أهل المغرب وحجتهم في التصوف : “التصوف هو التزام كل خلق سني وترك كل خلق دني ” فالتصوف عند ابي القاسم الجنيد التزام بتعاليم الدين من غير تحريف ولا تكليف واجتناب لكل ما من شأنه تعكير أحرف الصفاء وقيم الوفاء مما جاء به هذا الدين السمح القوي البناء ، ومما قاله الإمام أبو الحسن الشاذلي وهو ليس ببعيد عن المعنى المراد إذ يقول : التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية” فهو اتباع وليس ابتداع يقوم على التحلية فالتجلية ثم التخلية ومعناه أن يتحلى الصالحون بالخلق السليم والوصف القويم ، لينشره ويعم فضله قولا وفعلا ليصبح صاحبه قدوة لغير ه بعد أن كان مورد أخلاقه صاحب الحجة والبرهان سيد البشر والجان محمد صلوات الله عليه وسلم ، وقيل في معناه لفظا أنه من الصف ، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله؛ وتسابقهم في سائر الطاعات و قد سموا بهذا الاسم تيمنا بقول النبي صلوات الله عليه “لو يعلم الناس ما في النداء و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا”وهذا ليس بغريب ولا عجيب فهم يستمرون ويتعاهدون فيتواعدون على الاجتهاد في الطاعات لبلوغ أعلا الدرجات.
من خلال هذه التعاريف يمكن ان نستخلص ما يمهد لنا به مناقشة مقولة الامام مالك:( من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق)- أنظر حاشية العلامة علي العدوي على شرح الإمام الزرقاني على متن العزيه في الفقه المالكي (ج3/ص95) – ولو قيل فيها ما قيل لأن التصوف ظهر بعده و منه ايضا مقولة الامام الشافعي رحمه الله فهما ينبهان إلى كون علم التصوف من الأنوار الربانية التي تنبني على قواعد متينة تقوم على أركان الطريقة المحمدية متأصلة من القرآن والسنة ، لا أثر لها إلا بإحياء السنة و استنكار البدع ، فالفقير إلى الله متصوف ما استمر على نهج رسول الله وإن حاد عنها زل و ضل ولن تكتمل لديه صفات الفقه إلا بعد التحلية و التي أساسها التخلي عن الشهوات والاقدام على العبادات والتدريب على تقويم و تطهير السلوك. يقول الامام الجنيد رحمه الله “مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به” . ومعلوم أن التصوف مقامات تهدف إلى تحصيل مقام الرضا/الرضى بتزكية النفس لتحقيق مقام الاحسان وهو مقام المراقبة الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ” الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” لتكتمل به أثافي الدين المبني على الفقه من الاسلام والايمان الصادق ثم الاحسان الذي هو كمال الدين والركن الثالث من قواعده التي جاء بها جبريل ليعلمه للمؤمنين، ولهذا فإن التصوف لا يمكن ان تكتمل عراه ، إلا بفقه ما احتواه الشرع الحكيم و تسوية ما في القلب وتزكية اليقين ، إذ بدون الفقه يضل السلوك مجردا عن كل القواعد فلا فقه بدون تنزيل وتطبيق، ولا تطبيق بدون استقامة ولا استقامة بدون حسن السوك و مما وقع لبعض المتصوفة الذين غلوا في منهجهم وابتدعوا من طقوسهم فأصبحوا مخالفين للمنهج مارقين من الدين كالرمية من القوس، فأصبحوا عنصر تشويه وتشويش لا ينبغي اعتبارهم متصوفة ؛ فهم عباد شهواتهم لا يرون من طقوسهم وعاداتهم إلا إشباع رغبات لا قيمة لها . ولهذا يقول الامام النووي رحمه الله في كتابه المقاصد ” أصول طريق التصوف خمسة : تقوى الله في السر والعلانية ،اتباع السنة في الأقوال والافعال ، الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ، الرضا عن الله تعالى في القليل والكثير ، والرجوع له في السراء والضراء “. إذن لا ينبغي الحكم على المتصوفة إلا بعد دخول بحرهم و تفقه أسرار سلوكهم ومعرفة مغازي منطقهم ، فقد وقع مجموعة من طوائف الامة في حكم خاطئ ، اتجاه منهجهم ولكن بعد التثبت والتصحيح أجلّوهم وأحسنوا الحكم عليهم وخير مثال على ذلك الامام أحمد بن حنبل إذ قال لولده عبد الله :” عليك بالحديث وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية ، فإنهم ربما كان أحدهم جاهلا بأحكام دينه، فلما صحب أبا حمزة الصوفي البغدادي ، وعرف أحوالهم ، قال لابنه : يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة و الخشية والزهد وعلو الهمة ” فالمظاهر خادعة والتبين قيد العارفين ،والمتصوفة لن يفهم منهجهم إلا من غاص بحرهم ، وحام جوهم ، واستقر بفنائهم فهم أعقل الناس و أفهم للدين ، ومنهم من ألف الكتب و كشف الحجب عن كتاب الله و سنة رسوله ، وما يدل هذا إلا على تفقه المتصوفة وبلوغهم مراقي الثبات وحصولهم على تراقي المثلات بل ولهم أهم المصنفات التي ألفت في الفقه فكان من أنامل مجموعة منهم كالشاطبي وغيره الائمة الثقات .
إذن فالتصوف والفقه معياران لضبط السلوك فالاول متعلق بضبط الباطن والثاني بتوجيه الظاهر ، وكل خلل يعتري أحدهما تكون نتيجته الانحراف والزندقة لأن التصوف بدون فقه بدعة والفقه بدون تزكية النفس نفاق و فسوق اما الجمع بينهما حقا به يتحقق الايمان الصادق الذي يوصل إلى مراقي العبادة والسعادة في الدنيا والاخرة .




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.