“قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَره !”…

ذ / محمد نخال

وأنا جالسٌ على أعْتَاب جَوْفِ كَهْفٍ، يسْتَمِّدُ عُنْفُوَانه وشُمُوخَه، من جَبَرُوت الأمْواج المُتلاطِمة على جَنَباته، أتأمَّلُ السِّرَ الكامِن بين كَرِّ الأمْواج وَفَرِّها، وعُدْوانِيَتِها الغيْر المُبَرَّرة، على الصّخُور المقْهُورَة المُسْتَكِينَة الخانِعَة، وهي تنْهَشُ أطْرافَها وتعْمَلُ على حَتِّها بشَكْل سَادِيّ، وتغْيِير ملامِحها في صِراعٍ أزَلي. تَأمَّلْتُ المشْهدَ بينَهُما، فَوَجَدْتُه يُحَاكي في سادِيَتِه، الصِّراع الأبَدِيّ بين بني البَشَر، مُند أن قَتَلَ هابِيلُ أخاه قابِيل، هذا الصّراع الذي لا يَهْدأ ولا يفْتر، صِراعٌ بين الخير وبين الشّر، بين الظّالم والمَظلوم، بين الجائِر والمَغْبُون، بين طُغاةٍ ومُسْتَسْلِمين، بين مسْجُونين ضِعاف وسَجّانين شِداد غِلاظ سادِيّين، بين أسْيادٍ ظالمين وعَبيد مَقْهُورين.
انتَبَهْتُ مَذْعُورا، فرأيتُ وليْتَني ما رأيتُ، رأيتُ مَواكِبَ الأمَم والشّعُوب، تسِيرُ مُنْقادَة بِشَرائع ونَوامِيسَ من صُنْع الأقْوياء، فلا تَرَى غيْر رِقابٍ مُنْحَنِيّة تحْتَ أثْقال الذُّل، وسَواعِدَ مَوْثُوقَة بسلاسِل العار، ورُكَبٍ جاثِيَة أمام الأصْنام مُرَدِّدَةً تعاوِيذَ الخَلاص تَنْشُدُ الأمان، ورأيتُ ولَيْتَني ما رأيْتُ، رأيتُ سِياسيين – بلُغَة “مِيكْيافيلي”- ماكِرينَ كالثّعْلَب، دمَويّين كالنّمر، يقْتُلون من عارَضَهم بلا تَرَدُّد، يَسُودُون بِقَوانين وَضْعِيَة، وقدْ أضْفَوْا عليها طابَع القُدْسِيَّة، وأسْمَوْها تارة بالدّيموقراطية، ومرة بالدّيكتاتُورية، قوانين ما أنْزلَ الله بها من سُلطان، فيهم سياسِيون رِعَاع، يرتَدُون عبَاءَة الإمامَة والوِلاية، يُتاجِرُون في سُوق النّخاسَة بإسم الدّين، والدِّينُ القَيّمُ بَرِيءٌ منْهم بَراءة الذّئب من دَم يُوسف ابن يَعْقوب، عُمْلتُهم كاسِدة، وتِجارتهم بائِرَة، وكأن الخَالِقَ ما هَدَى سِواهُم، يُماثِلُون الثَّعْلَب في احْتِيالِها، والأفْعَى في خُبْثِها، قُلُوبُهم قُلُوب الأرانِب في ضَعْفِها، وهُم كالغُراب في شُؤْمِه، وكالْبُوم في نَحْسِه، كُلّما مَرُّوا من مَكان أصَابَه الخَراب وعَمَّهُ الدَّمار، وأخْطرُ ما رأيتُ، أنّي رأيتُ المَحْكُومِين يَمْشُون كالقَطيع في تَشْكِيلٍ جَمْعِيّ، مُنْقادِين كالنّعاج إلى الزّرِيبة، كأنما سُكِّرَتْ أبْصارُهم، مُحَنَّطِين كالمُومْياء، على عيُونِهم غِشاوَة، رُكِّبَ على رؤُوسهم عَقْلٌ سِمَتُه العَطالَة الفِكْرية ومُمانَعَةُ التَّغْيير، تسِيرُ الأفْكار في أدْمِغَتِهم المُدَجَّنَة، مِن المَاضي إلى الحَاضِر، ومن الحَاضِر إلى المُسْتَقبل، سَيْرا مُسْتَرْسَلا، دون أن يُدَقِّقُوا في ماهِيَتِها، ولا في صِدْقِيَتِها، يُعادُون بلا هَوَادَة من عادَى وَلِيَّهُم، سادِيُّون يقْطعُون رؤوسَ المارِقِينَ عن مِلّتِهم، ويسْحَلُون من يُعارضِهُم، ينْفُون من ثار في وجْه دَجَلِهم، ويُشَكِّكُون في إيمان من يَرفَع راية التَّنْوِير في وجْه ظلامِيَتِهم، عاجِزُون على مُقارَعَة من ناظَرَهم بالحُجّة والبُرْهان، لأن صُدُورهم ضَيّقَة حَرِجَة، كأنما يصعدُون في السّماء، فيبْدَؤُون في عَملِيّة حَفْرٍ أرْكِيُولوجي، ليتَهِمُوهُ بالماسُونية، وقَد يَقْذِفُونَه بالفاشِيّة، ثُم يسْتَبِحُونَ دمَه.
وأغْرَبُ مارأيتُ، أنّي رأيتُ موْكِبَ العُبُودِية يسِيرُ مُمَجَّدا بالعَظَمة والإجْلال، يحْرُسُه الظُّلم، والنّاسُ مُهَلِّلُون بألْسِنَة من الخَوْف، ينْحَرُون الكَرامة، ويُقَدّمُونها قُرْبانا تحْت أقدامها، ويُسَمُّونها الشّريعة، شَريعَةٌ يُعْلِنُون مِيلادها بِقَرْع أجْراسِ كنائِسهم، ويُلْبِسُونَها لِباسَ الثّقْوى فَوق مآذنِهم، ويَعْتكِفُون في حَضْرتِها في مَعابِدِهم، ويُمارسُونها بِطقوسٍ تَخْدُم مَصَالِحهم في زَواياهم.
رأيْتُ البائِسين يزْرعُون ويحْصُدُون، والأغنياء الأقْوياء يدَّخِرُون، مَفاتيحُ خَزائنِهم لتَنُوءُ بالعُصْبَة أُولِي القُوّة، أطْفالهم بملاعَقَ من ذهَب، يَرْتَشِفُون حتّي الثَّمالة عَرَق الكادِحِين، ورأيتُ مقْهورين، يَرتَدُون ملابسَ مُبَطَّنَة بالانْقِياد والخُنُوع، أطفالهم يرضَعُون العُبُودِية مع اللّبَن، نِساؤهُم كَالِحَاتٍ في مزارع البُؤس، وبناتُهم مُتَسَكّعاتٍ عَارِيات على رَصِيف الرَّذيلة، يَنْشُدْن لُقْمة مَمْزُوجَة بٍعَرق أبْدانِهن التي تَنْهَشُها الذّئاب الآدمِيَة بأبْخَسِ الأثْمان.
هذا هو حَال الإنْسَان، عَبْر كُل الأزْمان وفي كُل الأوْطان، صِراعٌ في صِراع وَلَّدَ صِنْفان، صنفٌ يعيشُ في شِبه جُحُور وأوْكار، لقْمَتُه مَمْزوجَة بالقَهْر والعَار، وصنفٌ يَعِيشُ في قصُور مُتَباهٍ بزخْرَفَتِها، وهي كُهُوف جَوْفاء دامِسَة، تَمْنَعُه من أن يَرى ضَوْء القمَر مُنِيرا مَسَالك اليَقين، يَسُنُّ القَوانِين والشَّرائِع للرّيادَة والسّيادة، فيَعيش أسِيرَ المادة المَقِيتَة، التي تُطْبِقُ على كِيانِه، كما تُطْبِقُ الكَواسِر على طَريدَة، وتَخْنقُها حتى تَمُوت كالجِيفَة.
انتَبَهْتُ مَذْعُورا، وعُدْتُ إلى رُشْدي، ولمّا قَفَلْتُ عائِدا، سَمِعْتُ صَوْتا في داخِلي يَقُول: أيّها الإنْسان ما أكْفَرَك !




قد يعجبك ايضا