عندما يأتي الشتاء…

ذ/ محمد نخال

دَعْكِ بِقُربي سيِّدتي، وَدَعِي الدِّفء يغْمُرُني. دَعِي الأمانَ يكْتسِحُني، لقد أقبَل الشِّتاءُ الطَّويلُ وأطْبَقتِ الثُّلوجُ على قِمم الجِبال، كما تُطبِقُ الهُمُومُ على الأرْواح المُتْعبة، وتَسَيَّدَتِ الريّاحُ المُزمْجِرةُ بين فِجاجِها، عَوِيلُها يَصْدحُ في كل مكان، وجبَروتُها عَرَّى الأشْجارَ، وقَذفَ بأوْراقها المُتهالِكةِ في الأوْدية العمِيقَة والشِّعابِ السَّحِيقَة، فبَدَتْ أغْصانُها العارِية كأيَادِِ تُرفَعُ للسَّماء تسْتجْدِي الرَّحْمة والغُفْران.
اِبْقيْ بِقُرْبي فَما بَقِيَ مِن العُمرِ كثِيرٌ وأنتِ عُمْري. اِبْقَيْ بِقُرْبي، سَيَحُلُّ الظلاَمُ وأنتِ قَمَري وبَدْري.
اِبْقَيْ بقُربِي أقْرَؤكِ، فأنتِ كِتابي، وأنتِ سيَّدةُ أَفْكاري وعلبة أسراري.
اِبقَيْ بقربي يا تَوْأمَ روحي وشطْر مهْجتي الثاني، فأنتِ أنيسُ وحْدتي وفانُوسُ ليْلِي الدَّامِس.
الخارجُ مُوحشٌ يا سيّدتي، أحسُّ بِرعْشَةٍ في داخِلي، سأُشْعِلُ المَوْقِد لِنَصْطلِي معا بحَنانِ ناره المُتَّقِدة، سيَسْكُن الدِّفْء بين جَوانِحنا، سَنَعْتكِفُ معا في مِحْرابِ العِشْق، حتّى يَزُفَّ الوُجود خبَر قُدُوم عَريس الفُصول نيْسان.
دعْك بقُربي سيّدتي، فبُعدُكِ يجْعلُ داخِلي مُوحِشا، أفْقِد الشُّعورَ بالأمان، وتنْتابُني مشاعِر حارِقَة، ينْكسِر قلبي وتَفْتِكُ به الأشْجان .
في الخارج، حول شُبَّاك نافِذتي تتَسارع قَطرات الغيْثِ المتساقِطة على حافَّة الجُدران، وكأنها آلات موسيقيّة مُتناغِمة في إيقاعِ لحْنٍ طرُوب، و زمْجرَة الرِّيح المُنْسابَةِ بين نَوافد غُرْفَتي أخَالُها أنغاما مُنْبَعِثَة من ناي حَزِين.
اِبقيْ بقرْبي، فالمكانُ بدُونِك مُوحِشٌ، والوحْدة تنْهَشُ أنفاسي، كما تَنْهَش الطّيور الجائِعةُ فريسة ضَعيفة.
ابقي بقربي، فوجُودك يزْرع الأمان بين جوانِحي، ويَرفَعُ وجْداني إلى مَرْتبة السُّمُوِّ والإطْمئْنان. فلما رأيتُكِ يا سيّدتي، علمْتُ سبَب وجودي في هذا العالم، فأنتِ مَجْدي وكِبريائي، أنتِ لوْعَتِي واشْتِياقِي، أنتِ ساقِيَتي وأنا مريدك الوادي.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.