بقلم: ابن سعيد بختاوي
مع اقتراب كل موعد انتخابي، لا تظهر فقط البرامج والمرشحون والأحزاب، بل تظهر كذلك فئة أخرى من «الكائنات الانتخابية» التي لا تحتاج إلى برنامج انتخابي بقدر ما تحتاج إلى طبل وغيطة، ومن يدفع أكثر. إنها ظاهرة «التطبال والتغياط» السياسي، حيث يتحول بعض الأشخاص، بين عشية وضحاها، إلى خبراء في الانتخابات، وقياديين ميدانيين، ومتحدثين باسم القبائل والدواوير والجماعات، بل وأحياناً إلى صانعي حكومات قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
المفارقة أن بعض هؤلاء يبدأ موسمه الانتخابي بمهاجمة حزب كان ـ حسب روايته الجديدة ـ ينتمي إليه سابقاً، رغم أن البحث في سجلات الذاكرة السياسية لا يعثر على أي أثر لذلك الانتماء. وكأن الانتماء الحزبي أصبح مثل «الحالة المدنية»: يمكن تغييره حسب مقتضيات الموسم.
وهناك من يتحدث باسم دوار أو جماعة بكاملها، ويقدم نفسه باعتباره صاحب «الكتلة الانتخابية» القادرة على قلب موازين الانتخابات، بينما يعرف سكان الدوار أنفسهم أنه بالكاد يستطيع إقناع فرد من أسرته بوجهة نظره. وقد تصل المفارقة إلى حد أن يكون «المتحدث باسم الناخبين» غير مسجل أصلاً في اللوائح الانتخابية!
أما الصنف الأكثر إثارة للشفقة السياسية، فهو ذلك الذي يتقمص دور «المناضل الكبير» داخل حزب ما، ويتحدث بثقة عن عشرات أو مئات الأصوات التي يزعم أنها تنتظر إشارته، بينما بيته نفسه يعيش تعددية سياسية تجعل من الصعب تحديد الحزب الذي يمثل «الكتلة العائلية» التي يتحدث باسمها.
ثم جاءت الرقمنة لتمنح بعض هذه الكائنات الانتخابية منبراً جديداً. فبمجرد امتلاك هاتف ذكي وحساب على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، يتحول الشخص في مخيلته إلى «مؤثر سياسي». يكتب منشوراً، ثم يعلّق عليه، ثم يشارك منشوره في مجموعات متعددة، ليقتنع بعد ذلك بأنه أصبح رقماً صعباً في المعادلة الانتخابية.
وهنا تتحول الرقمنة، التي كان يفترض أن تكون أداة لتوسيع المعرفة والنقاش العمومي، إلى وسيلة لتوسيع دائرة الضجيج. والأسوأ أن بعض «المؤثرين» لا يدركون أنهم لا يشوهون صورتهم الشخصية فقط، بل قد يسيئون ـ من حيث لا يشعرون ـ إلى صورة عائلاتهم وعشائرهم ومحيطهم الاجتماعي.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس وجود المهرجين السياسيين في حد ذاته؛ فالمشهد السياسي يحتاج أحياناً إلى شيء من الكوميديا حتى يحتمل نفسه. الخطر الحقيقي هو أن يتحول الضجيج إلى معيار للتأثير، وأن تصبح كثرة الكلام بديلاً عن امتلاك الأفكار، وكثرة الصور بديلاً عن الحضور الحقيقي، والادعاء بديلاً عن الشرعية الاجتماعية.
وفي الجهة المقابلة، نجد أصحاب المبادئ والكفاءات، الذين لا يجيدون التطبال ولا التغياط، ولا يمتلكون شبكة من المصفقين، فيركنون إلى الزاوية، يراقبون المشهد في صمت، ويتساءلون: كيف أصبح من يملك أعلى صوت أكثر تأثيراً ممن يملك أفضل فكرة؟
المشكلة أن هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود السخرية، بل يمكن أن يكون لها أثر حقيقي في تشكيل الوعي الانتخابي، خصوصاً عندما يكون الخطاب موجهاً إلى فئات محدودة القدرة على التحقق من المعلومات ومقارنتها. عندها يصبح الادعاء حقيقة، والشائعة خبراً، والتطبيل شعبية، والخيال واقعاً.
وهكذا قد نجد شخصاً يتحدث عن «قوته الانتخابية» حتى يصدقه الآخرون، ثم يتحدث عن قدرته على صناعة التحالفات حتى يصدقه المرشحون، ثم يبدأ في توزيع المناصب في مخيلته، وربما يرى نفسه ـ قبل ظهور النتائج ـ رئيساً للحكومة أو على الأقل صانعاً لها!
إنها ليست مشكلة أشخاص فقط، بل مشكلة ثقافة سياسية تسمح بإنتاج الوهم وإعادة تدويره. فحين يصدق الحزب كل من يدعي امتلاك الأصوات، وحين يمنح المرشحون قيمة لمن يرفع صوته أكثر، وحين تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى سوق مفتوحة للمزايدات، تصبح السياسة معرضاً للادعاءات أكثر منها مجالاً للتنافس حول البرامج.
والنتيجة هي تشويه المشهد السياسي وإضعاف الثقة في العمل الحزبي والانتخابي. فالمواطن الذي يرى شخصاً يغير مواقفه مع تغير اتجاه الريح، ويعلن انتماءات لم تكن موجودة، ويتحدث باسم جماعات لم تفوضه، قد ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأن السياسة كلها مجرد «سوق انتخابية» وأن المبادئ مجرد سلعة موسمية.
ولعل المفارقة الكبرى أن «كائنات التطبال والتغياط» قد تنجح أحياناً في خداع بعض السياسيين، لكنها لا تستطيع خداع صناديق الاقتراع إلى الأبد. فالصندوق لا يسأل عن عدد المنشورات، ولا عن عدد المقاهي التي جرى ارتيادها، ولا عن ارتفاع صوت الطبل والغيطة؛ بل يسأل سؤالاً بسيطاً: كم صوتاً حقيقياً حصلت عليه؟
وهنا تظهر الحقيقة التي يخشاها تجار الوهم:
ليس كل من يتحدث باسم الناس يمثلهم، وليس كل من يصفق للحزب مناضلاً، وليس كل من يملك متابعين مؤثراً، وليس كل من يرفع صوته يملك صوتاً انتخابياً.
إن المشهد السياسي السليم يحتاج إلى مناضلين حقيقيين، وبرامج واضحة، ونقاش عمومي مسؤول، ومواطن قادر على التمييز بين الحقيقة والوهم. أما إذا تركنا الساحة لأصحاب الطبل والغيطة، فقد نصل إلى مرحلة تصبح فيها الحقيقة خيالاً، والخيال حقيقة، والمهرج السياسي رجل دولة… فقط لأن مكبر الصوت كان قريباً منه!
ولذلك، فإن مقاومة ظاهرة «التطبال والتغياط» لا تعني محاربة السخرية أو الاختلاف السياسي، وإنما تعني إعادة الاعتبار إلى المصداقية والكفاءة والبرنامج والعمل الميداني، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مسابقة في رفع الصوت، ولا السياسة إلى حفلة موسيقية يبحث فيها كل عازف عن الجهة التي ستدفع أكثر.
وفي انتظار ذلك، سيظل أصحاب المبادئ في الزاوية… يتفرجون.
أما أصحاب الطبل والغيطة، فسيواصلون العزف حتى يسمعهم من لا يريد أن يسمع!

