تعليق على مسار في تجربة اليسار

ذ هشام حسنابي

إسمحولي بالقول أنك و أنت تقرأ كتاب مسار في تاريخ اليسار للأستاذ مصطفى المريزق لا يسعك إلا أن تشعر بالإشمئزاز من السدج و السطحيين، ممن ليس باستطاعته تقويم الحسن بالقبيح و النضال بالتواطؤ إلا إذا من منظار ذاته، فيرى الظاهر و يحكم عليه بدلا من أن يقوم بالنبش فيما يخفيه تحته ، هذا فضلا عن أنه لكي تفهم حالة معقدة كالمريزق عليك أن تتمثل بها،و عليك أن تغوص في حيثيات و تفاصيل تجربة لا تقرأ بل تعاش .
ردا على هؤلاء الذين أريد لهم أن يتقمصوا ثوب النضال، لم أجد إلا رد “بودلير ” القاسي على منتقديه عندما قال: « إن أغبياء البورجوازية الذين يتشدقون دائما بكلمات من قبيل لا أخلاقي، أو أن الفن أخلاق و غيرها من هذه الحماقات، يذكرونني بلويس فيلديو، و هي عاهرة بخمس فرنكات رافقتني ذات يوم في زيارة إلى متحف اللوفر ، وكانت تلك أول مرة تزور فيها المتحف، فإحمر وجهها و راحت تغطيها بكفها و تجدبني من كف السترة متسائلة أمام اللوحات العارية الخالدة، كيف أمكن عرض هذه العورات أمام الناس؟ ».
و عليه فالكتاب كما تراه ما هو إلا تفريغات ضرورية لإحتقانات نفسه أو بالأحرى هي بمثابة تطهير لوعيه من غصة العيش بأحزانه مع من يفرحون بغبائهم ، في الكتاب الذي يراه الكثيرين من أصدق ما كتب المريزق في مساره من تعابير تختزل فعلا كل المتناقضات حيت تمنتزج بها الطبيعة بالعدم و الاحلام باليقظة و الشر بالخير و السواد بالضوء و الأمل بالضجر و السأم ، مسار في تجربة اليسار هي مرآة عكس فيها المريزق حياته المنهكة المتعلعلة و المصابة بشتى الأمراض و التشرب و الفوضى، فالكتاب هو زفير غضب ظهر فيه صاحبه كل ما يختلج بداخله من حزن و إنفعالات و ضجر و قلق و خيبة وجودية و كل ما يمكن أن تفكر فيه من كوابيس متخيلة ، أعاد صياغتها بسوداوية سريالية لم يجرؤ أحد أبدا على الإقتراب منها إلى هذا الحد و لهذا ربما تعددت قراءاته و تأويلاته ، و كأن حال لسانه يستعير كلمات بودلير عن نفسه عندما قال في مشهد وجودي عدمي عنيف أنا الجرح و السكين أنا الخد و الصفعة أنا الحسد و دولاب التعذيب أنا الجلاد و الضحية أنا مصاص دماء قلبي و أحد هؤلاء المنبودين العضام الذين حكم عليهم بالظحك المؤبد و لكن إمتنع عليهم الإبتسام ..

هذا هو المريزق و هذه هي عذاباته و طموحاته التي لا يمكن لأحد اجتراحها سوى المريزق نفسه، و لكي نتمثل بمكتوبه هذا يعني أن نستشهر شيئا من عالمه المليء بالتصورات و التحديات، قد تجنح بنا إلى حدود الهذيان إلى الحد الفاصل ما بين الموت و تسلق الجبال إلى حد يصبح معه السؤال عن ماهية الألم الذي عصف به سؤالا مشروعا ، و هذه كما أرى هي لذة قراءة المبدعين الكبار هي تكمن في تمزيقهم هذا لمغلفات كينونتنا الصماء و افتضاحهم الذي لم نتجرأ على التمثل به في سلوكنا المنفصم بينما نحن عليه و ما يجب أن نكون عليه ، إبداع هؤلاء الكبار هو خروج على النسق السوي النمطي لجماعات متآلفة حول قيم و تقاليد و عادات تمجدها و تقدها من دون أن تدري السبب وراء ذلك ، إبداع العباقرة كما أراه ليس إلا قطيعة آلت إلى هذيان فنكوخ عبر رسمه للوحة صادمة و أدت إلى جنون نيتشه عبر فضحه لهشاشة قيمنا بكلام لاذع و أدت إلى غضب الوعي السياسي و الإنساني و الإيمان التحرري للكاتب من خلال مساره الذي جسد طريق الخلط للطموح البشري لكن في أسود تجلياته و سبله.
لم تذهب تجربة مسار المصطفى المريزق في مهب الريح ، فالطريق الرابع ما هو إلا نتاج طموحات كبرت و ترعرعت في سبيل مغرب الحريات و الكرامة و حقوق الانسان « مغرب المستقبل».


قد يعجبك ايضا