الركيزة الثامنة: مقاومة النخبوية
ظل اليسار المغربي منذ نشأته نخبويا و انتهى نخبويا في عالم جد معقد، و كان من الطبيعي جدا أن يعيش حالة اغتراب دائم، و انفصام رؤيوي بين الحلم بالتجذر الجماهيري، و الانطواء على النخبة، نظرا لسلسلة من المآزق الفكرية والتصورية و الانتكاسات الواقعية التي ابتلي بها الجسد اليساري العالمي عامة و العربي خاصة ، و نظرا كذلك لتواتر الانقسامات التي تواصلت وتناسلت دون توقف طوال 40 سنة.
هذه الوضعية المتأزمة، التي فرضت سيطرتها على اليسار، و أدت به إلى الضعف والتشرذم والتيه الفكري، و فقدان الذاكرة الجماعية، وعلل شتى، جراء تنكر أنصاره للمصادر المرجعية و الأرشيفية، و عدم صيانة الإنتاج الفكري و تطوير الدراسات المرتبطة بقيمه المثلى، حتى بات من الصعب اليوم تحديد أفكاره و مراجعه ومعتقداته و وجهات نظره. وهو ما أفرغ اليسار من كل حس جماهيري، و جعله كيانا طلليا نخبويا، غامضا و ضبابيا، أقواله الهلامية أكبر من قدراته التنظيمية والعملية.
وتجدر الإشارة إلى أن ما نعيشه اليوم مع بقايا اليسار، هو اغتراب حقيقي يفسر الدوافع التي جعلت زعماءه يكتفون بالمعارضة الصورية السهلة، أي المعارضة الكلامية و الشعاراتية العاطفية، التي تنهل من مطالب جمعيات المجتمع المدني، ذات الطابع العام المجرد المرتبط بقضايا و مشاكل عامة، بدل بلورة فلسفة و أسس اقتصادية وسياسية لمشروع اليسار الحق، انطلاقا من المشاكل الحقيقية العينية ومطالب الجماهير الشعبية و احتياجاتها الموضوعية.
من هنا، فلا أحد يعرف اليوم الجوانب الفلسفية والاقتصادية والسياسية لما تبقى من اليسار، ولا نعرف هوية الإطارات والتنظيمات التي لا زالت تدعي انتماءها لليسار: هل هي ماركسية، أما ماركسية لينينية، أم ماركسية تروتسكية، أم ماركسية ماوية ؟ أم مجرد نخب مستقلة تنتمي ل”اليسار الكبير” (إذا كان هذا المفهوم جائزا)؟ كما أننا لا نملك أي جواب لمصير ما تبقى من اليسار، و عن الاستراتيجيات العملية المتعلقة بقضايا التحرر الوطني و الديمقراطية، و قضايا فصل الدين عن السياسة، والمساواة، والحق في الثروة الوطنية والسلط ، والعدالة الاجتماعية والحرية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة الجوهرية هي أس فلسفة الطريق الرابع العملية، الذي يجعل نصب عينيه تنزيلها على أرض الواقع التنزيل الصحيح، بدل إلقاء اللوم على الظروف الموضوعية، وعلى الشعب الذي لا يعي حتمية التغيير، كما يعتبر الطريق الرابع عدم الإجابة عن هذه الأسئلة وجها من وجوه طغيان النخبوية القاصرة وعزلتها واغترابها عن الناس، ومظهرا من مظاهر تعميق الأزمة البنيوية لما تبقى من اليسار واليسراويين.
ومعلوم أن هؤلاء ظلوا ينتظرون التغيير كثيرا، لكنهم لم يعملوا من أجله شيئا، باستثناء التنظير واللغو اللغوي، وتبادل الاتهامات و تخوين بعضهم البعض.
فإلى متى يبقى اليسار مجرد ظاهرة صوتية؟ يلوك الكلام النخبوي أكثر من التجذر والالتحام الجماهيري؟
أليس الزمن زمن انبعاث اليسار الحق من جديد؟
أليست الشروط الموضوعي متوفرة لنهضة يسارية حقيقية ظاهرة للعيان؟
يتبع..

