6- الركيزة الرابعة: مقاومة السيطرة
صار باديا للعيان، بأن فشل ما تبقى من اليسار فشلان: فشلٌ يتجلى في عدم قدرته على تحقيق الديمقراطية الداخلية لإنجاز مهام تحديث البنيات التنظيمية، قصد إرجاع المطرودين والمطلقات والمطلقين و الغاضبين و النافرين والهاربين من بيت اليسار، وفتح الأبواب للجيل الجديد وخلق شروط تحفيزه وتمكينه من أدوات العمل والتفكير والنضال. و فَشَلً في بناء استقلاليته وحريته وإرادته وقدرته النقدية، التي تتيح له خوض معركة التنوير للحد من تغريب الناس، و تحطيم صنمية الاستهلاك الإيديولوجي المتحجر، مع ذبول ما تبقى من القواعد.
و من مظاهر بؤس ما تبقى من اليسار أنه وجد نفسه أمام مرآة مصيره، بعد أن عجز عن ربط مصداقيته بالديمقراطية، وبعد انهيار مؤسساته وتنظيماته الموازية على أرض الواقع،بعد فشلها في أداء أدوار طليعية لأنها لم تشهد أي منافع ملموسة قواعديا من قياداتها.
من هنا، فإن الطريق الرابع وهو يقف عند هذه الانحرافات و الآفات التي شانت اليسار في صورته الراهنة، يعتبر أن إعادة بناء يسار آخر جديد،و متجدد، يتطلب ترتيب أولوياته بناء على الحرية وتمتين حبل الاتصال والتواصل الذي ظل مقطوع لعقود طويلة من الزمن. وفي هذا الإطار، كانت زياراتنا الماراطونية لأزيد من 50 منطقة من مناطق المغرب القروي، وسكان الجبل، والواحات، والسهول والسهوب، لمدة تقارب ثلاث سنوات، التقينا فيها و التحمنا مع مواطنات ومواطنين، نساء ورجالا، شبابا وشيوخا، تلاميذ وطلبة، نخبا محلية،و عمالا، و مع موظفين، وفلاحين، وتباحثنا مع الجميع حول إمكانية إيجاد بيئة تنظيمية أكثر انفتاحا، يشارك فيها المجتمع المحلي لتعزيز الديمقراطية التشاركية و التشاورية، والعمل على خلق مؤسسات محلية وسيطة بين السكان والإدارة والمؤسسات المنتخبة.
و من البيِّن أن ما تبقى من اليسار، لم يستوعب بعد نهاية زمن و بداية آخر، حيث اكتفت قيادته بالسيطرة على “الأجهزة”، ونسيت رد الاعتبار لمناضليها بصفتهم ذات واعية، فاعلة في المجتمع و قادرة على تغيير مجرى الأمور، و على الاختيار الجيد والأفضل والمفيد. هذه السيطرة المرفوضة هي التي حركتنا كي لا نبقى جامدين كالحجر، غير سعداء. لأننا لا نريد أن نكون ضحية تاريخ لم ينصفنا. فإذا كان الوعي يكسبنا التجربة، فهو في أحايين كثيرة يعطي لنا تجربة مؤلمة و ثقيلة التكلفة يصعب حملها.
من هذا المنطلق، فإن الوعي النقدي يذكرنا بهشاشة وجودنا، حينما نعجز عن فهم وعي وعينا الجمعي. نعم، إن اليسار تراث إنساني، وتضحية كبيرة، فردية، جماعية وعائلية لا ينكرها إلا جاحد. وما تبقى من اليسار سقط-للأسف- في “الدوكما”، ولم يستطع مواكبة التطور السريع للرأسمالية التي سيطرت على العالم في وقت تاريخي وجيز، لم تستطع أمامه اللينينية الوفاء لماركس والأسس الماركسية، و الرأسمالية عملت على استغلال الديمقراطية وحركة الأنوار ونجحت في خلق التحول داخل بنائها. في حين لجأت الاشتراكية الستالينية للقمع والسلطوية والسيطرة العسكرية للتوسع لاكتساح أوروبا الشرقية، ولغزو العديد من البلدان وللاستفادة بالقوة من أسواقها ومن موادها الأولية. واذا كان من شيء تعلمته الأحزاب الشيوعية والتنظيمات اليسارية من الاشتراكية السوفياتية، فهو السيطرة. ولهذا يجب مقاومة السيطرة، وتمكين الفاعلين اليساريين من الحرية في الانتشار، وبناء التجارب، والاستفادة من الأخطاء في أفق إعادة البناء.
بتبع
7- الركيزة الخامسة: مقاومة الازدراء le mépris
لا يمكن لأي كان أن ينسى ما قدمه اليسار من شهداء ومنفيين و مختطفين و معتقلين ومشردين في تاريخ البلاد ضد الاستعمار و من أجل بناء الدولة الديمقراطية والوطنية.
كما لا يمكن لنا أن ننكر تضحيات النساء والشباب، و التلاميذ والطلبة، والعمال والفلاحين والمعطلين، من أجل الديمقراطية و الحرية والعدالة والمساواة. فلولا تضحيات كل هؤلاء، لما وصل المغرب إلى ما وصل إليه الآن.
و لا يمكن أيضا طمس دور اليسار في مواجهة الإسلام السياسي، ضد الشمولية والعنف والارهاب، دفاعا عن حرية المعتقد و رفض تقييد الحريات و الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة.
إن نقدنا لما تبقى من اليسار لا يراد منه الانتقاص من النضالات البطولية والتضحيات التي شارك فيها أو قادها اليساريون ببلادنا عبر عقود طويلة من الزمن، كما لا يراد منه المساس بأشخاص محددين، بقدر ما يستهدف تأصيل رؤية جديدة و متجددة ليسار آخر ممكن، تعظيما للمردود الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي حبلت به تلك النضالات والتضحيات، و وقف كل أشكال الجمود و الاعتكاف و الانكفاء عن تجديد الآمال المعقودة عليه، حتى لا يسقط ما تبقى من اليسار في أحضان السلفية باسم ” التكتيك المرحلي ” المرتبط بحالة الضعف التي تشمل مكونات اليسار (أقصد ما تبقى منه)، وحتى ننقذ أنفسنا من السقوط في الانحراف عن الخط التقدمي النقدي الخلاق، ومن أجل إعادة الأمل للنضال الواعي والمسؤول للطبقة الوسطى ولمن يدور في فلكها، و رد الاعتبار للنضال الفكري ضد التخلف والرجعية الظلامية والسلفية.
فمن البَيِّنِ، أن اليسار المغربي قد ولد وترعرع في خضم الصراع السياسي والفكري والتنظيمي (العالمي) الذي خاضه رجال ونساء وشباب، و عمال وفلاحون وطلبة، للدفاع عن مصالح الشعب المغربي.
واليوم، نحن أمام التغيرات الهيكلية التي شهدتها كل دول العالم خلال عقود طويلة من النيوليبرالية، وأمام التحولات الطبقية التي تعيشها الرأسمالية من داخلها، نتيجة تحول الفئات الوسطى لأغلبية بورجوازية في خدمة مصالحها، هذه التحولات التي و عى الطريق الرابع بإكراهاتها، التي تفرض علينا مهمات جديدة، نظرية ونضالية، و تطرح علينا ضرورة التفكير في إرساء استراتيجيات مواطنة، قادرة على المبادرة من خلال رد الاعتبار للمناضلين وللإنسان المغربي عامة قبل الايديولوجية، وترسيخ روح المشاركة و الاحترام المتبادل، وروح العناية والتسامح، إلى غيرها من القيم الكبرى. وهذا ما يتطلب نقدا صريحا و مسؤولا لما تبقى من اليسار المغربي، انطلاقا من السعي القلق الهادف إلى تأصيل الفكر و توطين الحرية، بعيدا عن الشرعية التاريخية والطليعة المجتمعية، وبقايا فاشية الاشتراكية والأنظمة القومية.
و من أجل يسار آخر جديد وممكن، يستحضر الطريق الرابع أزمة النظام العربي كذلك، و يدعونا إلى البحث عن صيغ وأشكال جديدة، وإلى الوعي بالتغيير باعتباره صيرورة نضالية متعاقبة على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
ومن أجل تحقيق هذا المبتغى، يعتبر الطريق الرابع أن مقاومة الازدراء شرط ضروري لفهم الهويات اليسارية في بنائها والتي تدخل في صراع مع هويات أخرى، ويفترض الحرية من أجل تأسيس الاختلاف، وإعادة الثقة في الفعل السياسي الحقيقي على أساس التضامن، الذي يتماهى مع العقل ومع إرادة العيش المشترك، بعيدا عن الأنانية المقيتة وإنكار الأخلاق وحب الذات في صورته النرجسية.
يتبع

