5- الركيزة الثالثة: مقاومة الفقر الفكري

إذا سلمنا بأن مقاومة الفقر الفكري قد تنزح نحو مرحلة الشيخوخة في زمن ما ، و تساهلنا كي لا نعتبر شيخوختها عيبا ، فإننا لا نسلم كما لا نقبل بتشييع مشروع اليسار و إدخاله سن اليأس.قسرا.
من هنا،و بناء على الدعوى السابقة، فإن الطريق الرابع ينص على أن جوهر الإنسان رديف الحرية، محكوم بها، و متماه معها من المهد إلى اللحد.
ولا يخفى أنه آن الأوان لتصير هذه الحرية التي قتلتها في مهدها الماركسية السوفياتية، ودفنتها الاشتراكية الصينية، وشوهتها الأحزاب الشيوعية والتنظيمات اليسارية، سلاحا لمقاومة الفقر والبؤس الفكري. فإذا كان البؤس حالة نفسية سلبية ، فإن اليأس أشد خطرا على الإنسان ، و من أشنع مظاهر اليأس حالة اليأس الجماعي. فقد علمتنا تجارب الحياة، أن الوجود البشري مليء بالأخطاء والمنزلقات والجراح التي لا تندمل إلا بعد عقود من الإصلاحات الموسعة، و نبهتنا إلى أننا في كثير من الأحيان نفضل الاستغناء عن الوعي، طمعا في التخلص من حمل الأثقال والآهات والآلام و مختلف مظاهر الشقاء بأبشع تجلياته.
لكن على الرغم مما كان، و مازال موشوما في ذاكرتنا الجماعية، فإن هناك بريقا من الأمل يوجهنا، و مغرب المستقبل ينتظرنا على أحر من الجمر؛ كما تنتظرنا أجيال كاملة هربت من مقبرة اليسار دون تقديم واجب العزاء! إنه هروب جماعي واع من كل أشكال التنشئة الاجتماعية و التنظيمات المركزية.، إنه هروب من العائلة و محيطها، هروب من المدرسة و الجامعة و فضاءاتها، هروب من الثقافة والمسارح و دور السينما، و هروب من الأحزاب والنقابات، بحثا عن بدائل جديدة بعد تشكل وعي نقدي مسؤول يسمح لهذه الأجيال بإدراك وجودها الحق، بدل رهنه للموتى، و الأشباح .
و إذا كان الفقر حالة اقتصادية، قد يتحملها الإنسان. فإنه في ذات الوقت لا يرضى لنفسه، بالوقوع في شراك اليأس ولو للحظة واحدة، كما يرفض أن يعيش بئيسا، مثلما يتمنى ألا يسقط في الكآبة والحزن وفقدان الثقة، خوفا من سلب إرادته و تدجينه و تحويله إلى إلى بئيس تابع خاضع لحراس المعبد الذين لا يزالون يخولون لأنفسهم مهام التنظيم والتدبير والتوجيه السياسي، والمراقبة ،والعقاب و هلم واوات… !
هكذا كما يظهر للعيان، تحولت أفكار مكونات اليسار الناجي من الموت، إلى عقيدة جامدة، و إلى جملة من المنظومات القائمة على تدمير الذات، و إلى حالة من العجز الدائم. حيث تكاثرت كالفطر مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي لها مسيس بكل مكونات المجتمع، وخاصة المرأة والطفل، هذه المظاهر السلبية التي تساهم كل يوم في تكريس التفاوتات و اتساع هوتها في شتى المجالات، مما يجعلها السبب الرئيس لاندلاع احتجاجات آلاف المواطنات والمواطنين وفق سيرورة تعاقبية مستمرة في الزمان.
وفي ظل غياب اليسار و تصوره النقدي لمجمل القضايا المرتبطة بالسياسات العمومية، وضياع بوصلته المفهومية التي تتيح له فهم التناقضات ومعانيها، وطرح قضايا جديدة لبلورة بديل سياسي واقتصادي واجتماعي خلاق، كما تجدر الإشارة إلى أن العجز بلورة تصور نقدي للمتغيرات، أسقط مكونات اليسار الناجية من الموت في الشعبوية، من خلال جمودها و اكتفائها بترديد الشعارات نفسها التي ترفعها الحركات الاجتماعية في الشارع احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية للمغاربة، بغية تبرئة الضمير وتسجيل الموقف.
للأسف،فقد أصبح ما تبقى من اليسار مهمشا اجتماعيا ، ولم يعد قادرا على بلورة بديل حقيقي يعبر عن ملامح الطبقات الشعبية وخاصة مغاربة العالم القروي وسكان الجبل والواحات والسهوب، وساكنة الضواحي والهوامش الحضرية. كما ظل عاجزا عن طرح رؤيته للمجتمع الصناعي الحداثي المتطور، وبات يتهرب من أي صراع فكري أو مقاربة علمية لنقد وتحديد المتغيرات، مكتفيا بتصورات ايديولوجية عفها زمننا المعاصر، لأنها تعبر عن فقر الفكر والعمى السياسي.
و الطريق الرابع، وهو يتأمل هذا الوضع الكارثي، و يتابع بقلق شديد درجة الفقر الفكري الذي نخر قوى التغيير، يستحضر قلق أغلب فئات و شرائح المجتمع المغربي، التي باتت تعيش في حالة اغتراب جماعي، جراء تنامي وضعيات الاستغلال الفاحش، وعدم المساواة في توزيع الثروة والدخل، و احتكار كل أنواع السلط، وضرب العدالة الاجتماعية، وما إلى ذلك.
فالأزمة الاقتصادية العالمية التي نمر بها اليوم تؤكد هذه العلاقة السببية، والتي تعتبر السبب الحقيقي و المباشر في إصابة غالبية الشباب المغربي بالذعر والقلق والهلع والخوف والعزلة، الناتجة عن عدم إيجاده لإجابات شافية كافية عن أسئلته الوجودية التي تتنامى في كنهه و عقله، و من آفات ما تبقى من اليسار المترهل، أنه بدل أن يشرع في البحث عن طريق المسار الصحيح، أصبح يقتصر على تأثيث المشهد السياسي صوريا فقط، و يرضى بتقديم خدمات استشارية للحكومة و لليمين غير الموجود أصلا، بسبب عدم تمكنه من خلق تصور ناضج للصناعة، وتطوير الاقتصاد، والاستثمار في التعليم، والثقافة، لمواجهة التأثيرات السلبية، و الرأسمالية المتوحشة، للحصول على الرضى، والحفاظ على الحد الأدنى من المكاسب الديمقراطية.
و عليه، فإن مجتمعنا ما زال محكوما بتناقضات كثيرة، وبديناميات اجتماعية غامضة، يهيمن عليها الجهل الفكري المركب، الذي يجب مقاومته بكل الأشكال للنجاة من السقوط في الانحرافات العقائدية الفتاكة، وحلول الوسط الأيديولوجي. وهذا ما يجعل الطريق الرابع ينادي بأعلى صوت إلى ضرورة بناء نقد داخلي لسد الثغرات، والتشجيع على تحرير الطاقات، وتمكينها من الوعي، من أجل تحقيق الاستقلال الاقتصادي، والمساهمة في بناء الدولة الوطنية، والاهتمام السياسي والفكري والثقافي بالوحدة الوطنية، ضد أي تدخل خارجي يسعى إلى تفتيت وحشي للدول و إلى زرع بذور الانقسام والتجزئة من أجل إعادة بناء الرأسمالية التي باتت تشهد تشققات داخلية عميقة.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.