كورونا المسمار الأخير في نعش الرأسمالية

ذ / هشام حسنابي

يعد ” سلافوي جيجيك” اليوم محط أنظار العالم و تسلط عليه الاضواء بشكل كبير جدا، و ذلك بسبب أزمة كورونا الحالية، حيث بدأ الإنهيار للنظام العالمي الجديد، و الذي حذر إلى الوصول إليه خلال طول حياته الفكرية إنطلاقا من إعتقاده الأيديولوجي في مسار التاريخ و حتمية إنهيار المنظومة الرأسمالية ، لتبدأ بعدها المرحلة الشيوعية.
سأحاول تلخيص بعض أفكاره حول المستجدات التي تحصل حول ما يثيره من إنتهاء حقبة تاريخية كبداية لولوج حقبة تاريخية أخرى جديدة، و بالتالي لن أستغرق في أفكاره السابقة، و إنما سأركز على طريقتي في تسلسل الأفكار و الصياغة و إستعمال بعض المصطلحات و طريقة السرد.
إن فيروس كورونا حسب رأي جيجيك قد يمثل اللحظة الحاسمة التي ستقضي على المنظومة الرأسمالية الفاجرة كما يصفها دائما ، و ذلك بعد أن يدرك الجميع (و ربما بثمن باهظ و هو ملايين الضحايا و آلاف القتلى) أن العالم لم يعد قادرا على الإستمرار بما كان عليه من نهج و أدوات و أساليب و أنماط قديمة ،و بالتالي يرى جيجيك أن ثمة تغيرا جذريا ينبغي أن نقدم عليه كمجموعة بشرية لإقامة نظام عالمي جديد ،يكون الإنسان في صلبه، و يقلص بالتالي من الفوارق الطبقية و العنصرية و الثقافية ، فالنظام الرأسمالي المتوحش حول الإنسان إلى مجرد آلة تعمل دون توقف من أجل الانتاج و الاستهلاك فقط، و بالتالي جعل هذا النظام مستلبا إلى مآرب مادية إستهلاكية أصبحت لها قيمة تفوق حتى قيمة وجوده ،و من هنا فالاشكالية هي أن الإنسان المعاصر قد إبتلعته الرأسمالية الجشعة و المتوحشة و حولته إلى مجرد رقم في دورة الإنتاج و الاستهلاك و كسب المال و التصويت الإنتخابي أو السياسي .إن العولمة خلقت واقعا وهميا تاه فيه الإنسان بين ما يريد و بين ما لا يستطيع الحصول عليه، لاسيما أن هذه العولمة صورت للإنسان أن كل الرغبات صارت في متناول يده نظريا ، من مثل الإستهلاك،المال ، الثروة ، الرفاهية ، الشهرة ، السفر ، النجومية الخ..طبعا من دون أن يكون واقعا أمام الجميع سبل الوصول إلى هذه المبتغيات التي ما لبثت أن تحولت عند الإنسان إلى غايات أسمى من أي هدف آخر، و لأن عيش الحياة على هذا المستوى الفاخر بات يقتصر في الواقع على قلة قليلة من الناس، فلم يعد من خيار أمام الأكثرية الساحقة لجيل العولمة الرأسمالية هذا سوى الإختناق بغصة مميتة و الإندماج بالنظام من دون أن يشعر هذا الإنسان ، و بالتالي إهدار كل طاقاته الجسدية و الذهنية لمحاولة الوصول، و إما الإنفجار و التشظي عبر لجوئه إلى أساليب لا قانونية و لا أخلاقية لتحقيق ما تدفعه نحوه العولمة و الحضارة الإستهلاكية .
و ما نراه حتى من تفلت عشوائي من كل الروادع القيمية و الأخلاقية ماهو في الحقيقة إلا عوامل نفسية لا شعورية في معرض الإستنكار و التنديد بعدم وجود إنصاف في هذا العالم، و أيظا يمكن أن نلاحظ الأمر كذلك في ذلك الإنتشار المهول للأدوية المهدئة و أدوية الأعصاب التي يواجه فيها الإنسان طبعا ، كل كميات الظغوط التي يعيشها في حياته اليومية ، فهذه هي حقيقة النظام الرأسمالي الذي كرس الفكر و العلم و كل شيء طبعا لخدمة رأس المال و لخدمة الربح و الأرقام المالية، و كما قلت صناديق الإقتراع و لم يعنى هذا النظام بأي جانب أخلاقي بكونه كنظام من المفترض أن تكون غايته هي أولا خدمة الإنسان ، بدلا من ذلك جعل هذا النظام من الناس أفرادا متباعدين متفرقين و متنافسين و متصارعين من أجل المصلحة المادية و الكسب و الربح، و هذا لوحده كاف للدلالة برأي جيجيك على أن هذا النظام المادي الفج إستهدف من أجل تسيده و هيمنته القيم الأخلاقية الإنسانية في الدرجة الأولى، و ليصبح الإنسان كائنا مسير ا من دون أن يشعر في سبيل مصلحة هذا النظام و مصالح القلة القليلة من البرجوازية القابضة على مقاليد الإقتصاد العالمي.
ما حصل اليوم برأي “سلافوي جيجيك” أن وباء كورونا سرع في فضح هشاشة النظام الرأسمالي و سقوطه الأخلاقي و القيمي المدوي و أظهر أيظا فشل هذا النظام، و أظهر عجزه البنيوي في التعامل مع أزمة كبرى وجودية تهدد الوجود البشري ، أما على الصعيد الفردي فقد أصاب الفيروس أوهام الإنسان حول سيطرته على الطبيعة و تفوقه العلمي و التقني على كل الكائنات أصابه بجرح غائر ، لنقل أعاد هذا الفيروس الإنسان إلى حجمه الطبيعي، أو إلى معرفة حجمه الطبيعي أمام قوة و جبروت الطبيعة و الحياة . قبل كورونا كان الخطاب الرأسمالي يبيع الوهم الزائف ، بينما هو في حقيقته هو خطاب إقصائي طبقي مقيت لا يقيم أي وزن للطبقات الفقيرة و الضعيفة ، طبعا أتت الأزمة لتعري هذا النظام من ورقة التوت التي تستر عيوبه، و تكشف بالتالي إستغلاله و أنانيته و ظلمه على الملأ، و من دون مساحيق تجميل ، و هذا ما يدفع اليوم بالجميع إلى تبديل نظرتهم إلى بعضهم البعض ، بنظرة مختلفة من زاوية وحدة المسار و المصير ، و بالتالي فإن البشر في نهاية المطاف ماهم إلا كتلة واحدة لا تفصل بينهم أي حدود و أعراق و ألوان أو عقائد أو أيديولوجيات ، لأن ما يصيب هذا سيصيب ذاك لا محالة و هذا ما أكدته التجربة.
من هنا يؤمن” سلافوي جيجيك” أن ما كان قائما سابقا سقط إلى غير رجعة ، و لم يعد هناك من إمكانية أبدا للعودة إليه أو حتى لمحاولة إنعاشه، بعدما وصل النظام الرأسمالي إلى نهاية الطريق، و ستكون برأيه المحطة التاريخية التالية هي إنتقال المجموعة البشرية إلى تكوين و إنتاج نظام عالمي جديد ، يدفع بإتجاه إزالة كل الفروقات الطبقية و العنصرية ، و أيضا سيعمل على فرملة الجشع الرأسمالي الذي إستنزف كل شيء ، إستنزف الإنسان و الطبيعة و الموارد، و أيضا سيعمل هذا النظام العالمي الجديد كما يتصور جيجيك بعد هذه الأزمة الكبرى ، أن يكون الكائن البشري قادرا على مواجهة الأخطار الوجودية و الظواهر الطبيعية، و ذلك من ضمن خطة طريق تعمل على إستبدال المفاهيم الرأسمالية القديمة بمفاهيم و أطر حضارية و ثقافية تعيد القيمة للإنسان و لعقله و فكره و إنسانيته و معنوياته في عالم أكثر عدالة و رحمة .

عضو الهيئة الاستشارية الوطنية لحركة قادمون و قادرون




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.