ذ هشام حسنابي
يقول أبو الطيب المتنبي «ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِيْ النَّعيم بِعَقْلِه وأَخُو الجَهَالَةِ فِيْ الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ» ، و يقول أيضا الشاعر العباسي إبن المعتز « وَحَلَاوَةُ الدُنْيَا لِجَاهِلِهَا وَمَرَارَةُ الدُنْيَا لِمَنْ عَقَلا».
غربة المفكر من نتائج فرادته ، لأن غربته عن محيطه الإجتماعي ليست خيارا و لا هي سبب ، بل هي نتيجة توغله بفكره إلى مستوى أعلى من منسوب الوعي السائد من حوله ، هذه هي الغربة الحقيقية غربة الفكر غربة الوعي لا غربة الجسد ، ولهذا يغدو هذا الإنسان وحيدا لا يساير الناس لا في أفراحها ولا أقراحها و لا يشكوا حتى لأحد منهم ما هو به ، بعد أن فقد حس الإنتماء إلى ثقافته الجماعة ثقافة القطيع ليعيش حسرة خسارتهم بالنقمة عليهم و على أوهام السعادة التي أفرحتهم فأحزنته
لذلك يعيش كل عبقري و كل مفكر و كل معمل للعقل بحرية مأساته الفردية عبر تفكيره الدائم بما لا يفكر به الآخرون أبدا.
ولكن هل من حق المفاضلة بين مأساة المعرفة و سعادة الجاهل هل يمكن ان يحيى من اكتشف زيف ما كان يعتقده حقا، أن يعود إلى زيف حياته الإجتماعية السابقة ؟ بصراحة أقول لكم إن الأمر يكاد يكون مستحيلا لأن مشاركة الفرد أفراح الجماعة و اطراحها سيكون بمثابة تسوية لا واعية لما سيؤول إليه أمر موافقته على ما يتفق معه ، و لذلك سيبقى الصراع بين رغبتهم و رغبته بين ما يريدوه له و ما يريده لنفسه ،، سيكون الصراع بين إرضائه لعقله من ناحية و مصالحة كيانه الإجتماعي العام من ناحيه أخرى ، صراع لابد أن يحسم بخيار من إثنين أطإما تغييب وعيه و تفكيره و الإنخراط مجددا في كنف القطيع و إما الخروج إلى صقيع كيانه الفردي الخاص.
نيتشه بما يملك من حساسية مفرطة و تمرد جامح منذ الولادة لم يتردد أبدا في سلوك الخيار الثاني فأسرع فارا إلى وحدته إلى حيث يستغني بعقله عن مجالسة البشر ، المنقادين بهدى إيمان ميتافيزيقي ، أسقطه هو بالضربة القاضية ، لم يعد نيتشه قادرا على التواجد في محيط يجد نفسه فيه محاصرا بسيل من المواقف و الآراء المتفقة بالإجماع على مدح ظاهرة ما ، صنما عقليا ما، فكر أو عقيدة قديمة تفوح منها رائحة عفن السنين لا يراه هو أهلا للمدح و الثناء ، مما يجعله هذا الموقف أمام خيارين أحلاهما مر كما يقال ، و أما أن يتكلم و سيجرفه بالتالي لا محاله تيار هيجان القطيع الثائر، و إما أن يلوذ بالصمت الممتليء حسرا على ما يواجهه من قمع الجموع المغيبة العقل و الإرادة الغفيرة و ليس أبلغ من نيتشه كي يصف لنا حال الإغتراب الفكري هذا حال غربة المثقف المفكر المستنير و إشكالية الإنتماء و نعمة الجهل ، ففي رسالة بعثها إلى أخته إليزابيث سنجد نيتشه يشكو حاله ، حال من أوصله عقله و أوصلته ثقافته الواسعة إلى إفتضاح أوهام الحقيقة التي كما يقال لم تبقي له من صاحب.
يقول نيتشه مخاطبا شقيقته اليزابيث « أين هؤلاء الأصدقاء القدامى الذين كنت أشعر معهم في السنوات الماضية أننا متقاربين كليا و الآن يبدو لي أنني كنت أنتمي إلى عالم مختلف عما هو الآن ، و يبدو لي أننا أصبحنا لا نتكلم نفس اللغة ، أشعر أنني أصبحت غريبا و منبوذا ، أتنقل بينهم هنا و هناك و لا أجد أي من كلماتهم أو إهتماماتهم يثير شغفي، أصبحت صامتا لأن لا أحد منهم يستطيع فهم حديثي ، إنه لأمر رهيب أن تلتزم الصمت بينما لديك الكثير لتقوله ، هل خلقت لحياة العزلة أو لحياة لا استطيع فيها التحدث مع أحد ، إن عدم القدرة على تبادل أفكاري مع الآخرين هو أسوأ و أفظع أنواع العزلة على الإطلاق ، إن الإختلاف على الآخرين هو أقسى و أفضع من أي قناع حديدي يمكن للفرد أن يعزل بداخله »
فهذه هي كلمات نيتشه ، هذا هو نيتشه إنسان جنى عليه عقله حينما دفعه بلا هوادة نحو إغتراف معرفي واسع مما لا يتفق أبدا و خصوصية مجتمع أضيق من أن يستوعب عبقرية بحجمه او بحجم موقفه من حياتنا التي عكر صفوتها فكدرها بمعول نقده و تقويضه لحقائقنا من خلال إفتضاح و تعريته لهشاشة منظوماتنا العقدية و الأخلاقية ، و أن ما تؤمن به ما هو إلا أكذوبة خلقناها بأنفسنا لنريح أنفسنا من داء وجودنا الناقص ابدا
وإذا كان الإستغراق و النوم في الوهم جميلا من حيث أنه يريحنا من مشقة التفكير فاغن جنون نيتشه كان لإنعدام نومه نتيجة لأرق و قلق منعاه من أن يغمض له جفن طيلة حياته ، و ما سبيل نيتشه إلى النوم و كم يستطيع أن يصمد في سباته و إلى أي حد هو قادر على مواجهة صوت الأحكام الجاهزة و المبرمة بحق تمرده على ما تحيى به الجماعة ! فكان أن ٱختار فيلسوف المطرقة ، اليقظة الفكرية، التي جنحت به أكثر فأكثر إلى هذيانه الجنوني هذا الجنون جنون نيتشه الذي ما هو في حقيقته إلا صخب أسئلة كبرى ، إما أن توصلك إجاباتها إلى الجنون و إما أن تسلم عقلك و تطفيء وعيك و تقف في مكانك.

