تخليد اليوم العالمي للعمال فاتح ماي في زمن كورونا

ذ/عبد اللطيف شعباني

تحتفل الطبقة العاملة في العالم كل سنة باليوم الأول من ماي، من خلال الإضراب عن العمل وتنظيم المسيرات والتظاهرات في أغلب بلدان العالم. إنه يوم تؤكد الطبقة العاملة من خلاله أنها طبقة أممية، فرغم اختلاف الأوطان والأديان واللغات، الخ يخرج عمال العالم في يوم واحد ويصرخون بصوت واحد ضد الاستغلال والاضطهاد والفقر.

إن أهمية هذا اليوم الأممي هو ما يجعل الطبقات السائدة في العالم، بتعاون مع عملائها داخل المنظمات الجماهيرية، تحاول إفراغه من مضمونه الكفاحي، وتنسي العمال في جذوره التاريخية، حتى صار وكأنه يوم عيد للاحتفال منحته الطبقة الرأسمالية للعمال. لكن الحقيقة مختلفة تماما عن هذا الادعاء، لقد كان يوم فاتح ماي منذ البداية يوما للنضال ولم تفرض الطبقة العاملة حقها في الاحتفال به إلا بعد نضالات مريرة وتضحيات جسيمة طيلة عشرات السنين .
لقد ظهرت فكرة تخصيص يوم للتوقف العام عن العمل والتظاهر، أول ما ظهرت، في سياق نضال الطبقة العاملة من أجل الحق في تخفيض ساعات يوم العمل، التي كانت تتجاوز عشرة ساعات، إلى ثماني ساعات عمل.
وقد خلد العمال المغاربة هذا اليوم الأممي منذ بداية تشكلهم كطبقة اجتماعية، فمع دخول الرأسمالية للمغرب، في بدايات القرن العشرين، دخلت معها تقاليد الحركة العمالية الأممية، فتشكلت النقابات ونظمت الاضرابات، بالرغم من القمع الهمجي الذي كان مسلطا عليها من طرف الاستعمار الفرنسي والاسباني.

في البداية تشكلت النقابات والمنظمات العمالية بمبــادرة من العمـال الفرنسيين المقيمين في المغرب، وقد انخرط العمال المغاربة بكثافة في هذه النقابات، والتزموا بجانب رفاقهم الاوروبيين في جميع التحركات المطلبية، فأعطى ذلك زخما قويا، فأصدرت السلطات الاستعمارية ظهيرا سنة 1938 تمنع فيه العمال المغاربة من الانتماء للنقابات، ويتعرض من يضبط منهم بحوزته بطاقة نقابية للسجن وأشد انواع العقاب، في حين يتم طرد العمال الفرنسيين الذين يساعدون المغاربة على التنقب.

الا ان عزيمة العمال المغاربة لم تكل، ونظمو احتفالات فاتح ماي الى جوار عمال العالم، فقام بعض أرباب العمل بمباردة تنظيم هذا اليوم الاممي في معامله وباشرافهم الشخصي، ويذكر لنا التاريخ قيام مالك الشركة المغربية للسكر C.O.S.U.M.A بتنظيم احتفال بمناسبة فاتح ماي بمعمله سنة 1942، والقى خطابا أمام السلطات الإقليمية ووفود أرباب العمل، والعمال المغاربة والاروبيين بالمؤسسة مجتمعين وتمت ترجمته إلى العربية، حيث قال: «إننا نحيي في هذا اليوم الوفاق الاجتماعي الذي نعرفه أنتم وأنا، لأنه منذ مدة طويلة، أساس علاقاتنا. فمنذ بضع سنوات، فإن بعض المحرضين المهنيين يرمون إلى أهداف مخجلة قد عملوا على بث الفوضى في النفوس. وفي هذا المكان بالضبط صدرت أقوال مكرهة تجاه الرؤساء. إن ذلك الوقت الأليم قد ولى». إن هذا الاعتراف يعكس حجم وقوة التنظيمات العمالية خلال تلك الفترة.

ولم تقتصر احتفالات فاتح ماي بالمغرب، خلال فترة الاستعمار، على رفع مطالب نقابية فقط، بل كانت محركة للشعور القومي وكانت محطة للمطالبة بالاستقلال.
يعتبر فاتح ماي موعد احتفال الطبقة الشغيلة بيومها العالمي حيث يرتفع صوت الكادحين في جميع دول العالم و يخلد لذكرى إنطلاق الاحتفاء بهذا اليوم.
إن الإحتفال بعيد الشغل بالمغرب، هو بمثابة محطة سنوية يخرج فيها العمال المغاربة للتعبير عن مطالبهم الإجتماعية، إلا أن ما أصبح يقلقهم في الأعوام الأخيرة، هو أن فاتح ماي أصبح يطغى عليه البعد الدعائي والاحتفالي، ولم يعد يوما نضاليا يهدف إلى تسليط الأضواء على وضعية العمال ومعاناتهم.
و يتزامن اليوم العالمي للشغيلة هذا العام مع الحجر الصحي الذي نهجته معظم دول العالم بسبب جائحة كورونا، و التي فرضت قوانينها التزام الحجر الصحي .




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.