الثقافة منقذة الشعوب

ذ / هشام حسنابي

عندما سئلت (سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir) عن ظاهرة رواج الوجودية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية بشكل كبير و بزمن قياسي، أجابت بإجابة غريبة قد تنم عن تواضع أو سخرية ربما ، تقول إن باريس خرجت من الحرب منهكة لا تملك شيءا تصدره للعالم سوى الموضة و الأدب، و سرعان ما أخدت فرنسا تضخم رصيدها في الأدب و الموضة ، حتى تعوض ما لحق بها من خسائر ، فلقد تحطم الإقتصاد و انهارت السمعة و أهينت الكرامة، و لم يبق من الرصيد لفرنسا سوى بقية من ذوق رفيع و شعلة من ذكاء و فكر .
لقد كان سارتر محقا حين قال إن الثقافة هي الشيء الوحيد الذي يبقى للإنسان حين يفقد كل شيء.
سيمون دي بوفوار كانت واحدة من أبناء ذلك الجيل الذي إنتشل بثقافته و فكره و نشاطه فرنسا و الفرنسيين من مستنقع الخوف و القلق و التخبط بعد الحرب ، بعدما أبان التاريخ لهم عن وجهه المخيف و المشوه .
ولدت سيمون دي بوفوار الأديبة و الفيلسوفة الوجودية و الكاتبة و الروائية و الناشطة النسوية و السياسية في باريس سنة 1908 و اختارت أن تعيش حياتها وحيدة لتتفرغ للفلسفة و الكتابة و الأدب ، في سن 21 كانت أصغر شخص يجتاز الإمتحانات الجامعية لتنال شهادة الفلسفة ، حلت في المركز الثاني خلف زميلها الذي ٱحتل المركز الأول و الذي لم يكن سوى جان بول سارتر ، الذي ستجمعها به رحلة صداقة و حب و حياة إمتدت حتى بعد الموت.
إبتدأت حياتها العملية كمدرسة فلسفة في إحدى الثانويات ، و تم إيقافها لاحقا عن مهنة التدريس ، و ذلك للإشتباه بعلاقة مثلية جمعتها مع بعض طالباتها في ذلك الوقت ، لتتفرغ بعد ذلك للأدب و الفكر و التأليف .
شاركت دي بوفوار سارتر بعد الحرب العالمية الثانية في تحرير صحيفة سياسية فكرية مع آخرين، و بدأت أيضا بإصدار أعمالها الواحدة تلو الأخرى، كما بدأت أيضا بممارسة نشاطاتها الثقافية و الفكرية التي عبرت من خلالها الحدود إلى عدة أماكن في العالم ،توفيت في عام 1986 و دفنت إلى جانب سارتر تاركة طبعا إرثا ثقافيا و فكريا كبير جدا.
من أبرز مؤلفاتها نذكر المدعوة؛ اخلاقيات الغموض؛ المثقفون؛ وداعا سارتر؛ و مذكرات فتاة رصينة؛ و كتاب الجنس الآخر؛ الذي يعتبر من النصوص التأسيسية للحركة النسوية الحديثة ، ولعل السر الحقيقي في أدب سيمون دي بوفوار أنه أدب الحياة العادية اليومية ، حياة الفتاة حياة الطالبة حياة المدرسة، ثم المحبة و العاشقة حياة تمر بها أي إمرأة عادية ، و السر الثاني في أدب سيمون هو أن الوجودية نفسها تتكلم عن وجود الإنسان عن وجوده في هذه الحياة مع الآخرين ، وعن أبسط حواديثه و حكاياته، و في هذه الحياة البسيطة العادية لملايين و مليارات الناس يوجد سر الفكر العميق و سر الفلسفة الأكبر.
وقد فعلت دي بوفوار ذلك تماما تناولت حياتها بالتشريح خاصة في نفسها تعمقت في أبسط تفاصيلها حتى تلك الباهتة المملة في تتاؤبها من سخف الحياة الروتينية ، تعمقت في كل ما كون شخصيتها و أفكارها و آراءها و عاداتها ، و من هذا النسيج اليومي كتبت أروع و أهم أفكارها و أروع صور الأدب،و نذكر منها:
«أنا امرأة لأني إخترت ذلك، فكما أن الوجود يسبق الماهية ، كذلك المرأة لا تولد إمرأة ، و إنما هي تصبح كذلك إذ لم تعترف سيمون بأي نموذج مثالي أو طريقة محددة مسبقا ، بفعل التقاليد و العرف و المجتمع و المسبقات الفكرية لما يجب أن تكونه المرأة» .
و اكتشفت سيمون في نفسها و في نفس كل إنسان ، تلك القدرة العبقرية على التمتع بالحياة مهما كانت رتيبة أو مملة أو عبثية ، إذ علينا أن نعيش عصرنا مهما كان فظيعا أو عظيما لأنه في النهاية محسوب علينا و لأننا لن نعيش سواه .
وإكتشفت سيمون أنها قد تصنع قدرها كما تريد أن تجرب أفكارها أن تنسج حياتها ، كما تنسج أي إمرأة شالا من الصوف أو الحرير ، تجردت سيمون من كل القيود التي تجعلها جنسا آخر، من قيود الموروثات و المجتمع الذكوري، حتى من قيود السلطة الدينية بعدما فقدت إيمانها ، و هي التي تربت منذ صغرها كفتاة كاتوليكية مطيعة إعتادت على تقديم الإعترافات بين يدي رجال الدين ، ولتعلن هذه المرة إعترافها الأخير بأن الإله لن يعود معها بعد الآن .
تبدأ دي بوفوار تكتشف أنها تستطيع أن تكون إمرأة ذات سيادة ، أديبة لها كبرياء و استقلالية سيجعل منها أدبها و ستجعل منه حديثا صريحا تقول فيه كلمتها هي، لأن الأدب كما ترى حرية، و لا مشكلة عندها لدفع ثمن هذه الحرية، و طريقها الوحيد هو أن تحافظ على سيادتها الفكرية و استقلاليتها، من هنا شنت سيمون حملتها الشديدة على الأمثال الموروثة على الحكم القديمة و على كل العقائد البالية ، والتي تشجع على الأوهام ، فلابد للإنسان كما ترى أن يصل الى حكمته بنفسه و يكسبها بتجاربه و خبرته، و بقدر ما هي الحرية نعمة أيضا من الممكن أن تتحول إلى نقمة ،عندما تنكر حرية أخرى ، فإن يريد الإنسان الحرية لنفسه عليه أيضا أن يريدها للآخرين، و لكي تكتمل حريتي كماتقول دي بوفوار ما علي إلا الإعتراف بأن للآخرين نفس الحرية و الحق تماما.
إن واجبنا الأخلاقي كما تقول سيمون هو أن نخلق معنا للحياة خاصة بنا ، معنى يرتقي بصاحبه و بالمجتمع ككل ، معنى ينطلق من مفاهيم الحب و المشاركة و التحرر و المسؤولية و متعة العمل و الجد به ،هذا ما قد يضفي معنى ما لحياة ماسخة الطعم، لم نستشر في شأنها أصلا ،و علينا أيضا كما تقول سيمون أن نعي بأننا دائما نطمح بالمستحيل لكننا لا نحصل إلا على الواقع، و رغم أننا نعلم ذلك تماما، فإننا نقبل على الحياة كأننا نعيش أبدا، لأن الإنسان وثان كان فرد ا مطلقا، إلا أنه أيضا نسبي في نفس الوقت، لأنه بكل بساطة يموت …

ونحن عالقون هنا إذ لا نستطيع التنازع على المطلق، مع أننا نعيش العمر الذي ينتهي، فمع إكتشاف الموت يحس الإنسان أنه جريح بجرح يتربص به بجرج لا يندمل ،لا يتوقف عن النزيف حتى يصرعه و النزيف هذا ماهو إلا الحياة ، و لعل كما ترى سيمون أمام الإنسان إلا أن يتقبل الموت ، وان لا نتجرع آلامنا كما نتداول حبات الأسبرين عندما نصحو من النوم ، فتقبل الموت في شجاعة ،هو بحد ذاته إنهاء للموت و احتجاج عليه ، فإن نواجهه بشجاعة كما تقول، خير من أن نستسلم له كما تستسلم الماشية للسكين .
من هنا كان إيمان سيمون دي بوفوار بأن الحياة جديرة بأن تعاش ، لأن كل إنسان منا ليس رقما يضاف إلى رقم آخر ، إنه نهاية بحد ذاته ، و مع هذا الصراع ما بين الحياة والموت، بين ماهو مطلق فينا و نسبي، تبدو روعة الحياة و متعتها ، فالإنسان يستطيع دائما أن ينهض من و حشته و من قدره المتربص به، ليعيش حياة ذاة معنى من صنعه تكون جديرة بأن تعاش.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.