هكذا يرى الفيلسوف تشومسكي العالم بعد كورونا

ذ هشام حسنابي

اما عالم أكثر عنفا و دول أكثر إستبدادية، أو إعادة بناء المجتمع الإنساني بشروط إنسانية تمكنه من البقاء في وجه تهديدات كبرى قادمة لا محالة في المستقبل القريب، هكذا يرى المفكر و الفيلسوف الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي مستقبل العالم بعد أزمة كورونا.
تشومسكي و البالغ من العمر حوالى 91 عاما إذ لم يكن أهم فيلسوف على قيد الحياة اليوم، فهو على الأقل واحد من أكبر فلاسفة العصر الحديث ، ووصف في السابق من قبل صحيفة لندن تايمز حوالي 1970 كأحد صناع القرن العشرين، وأيضا يعتبر تشومسكي رائدا من رواد الفلسفة التحليلية ، ويوصف بأنه أب علم اللسانيات الحديثة ، إضافة إلى تمكنه من علوم التاريخ و السياسة و غيرها من العلوم المعرفية .
ويعتبر تشومسكي شخصية عالمية بارزة في مجالات التنظير و النقد و الأدب الفكري و السياسي و الإجتماعي، وله عدة نظريات و أطروحات فلسفية تعتبر من أهم الإسهامات الفكرية في العصر الحديث.
نشأ الفيلسوف نعوم تشومسكي يهوديا من عائلة يهودية من أصول أكرانية ، لكن فيما بعد ابتعد عن التقاليد اليهودية، و أصبح يعرف عن نفسه أنه لاديني ، و عرف برفضه الحروب و الهيمنة الإستعمارية الغربية .
تشومسكي له أكثر من 120 مؤلف في مختلف المجالات المعرفية و الفكرية، إضافة إلى آلاف المقالات و المحاضرات و المقابلات المتنوعة، و حصل في حياته على عشرات الجوائز و الأوسمة من أهم المؤسسات الفكرية والعلمية، وحصل على مثيلاتها من شهادات فخرية من أهم الجامعات العالمية المرموقة كجامعة هافارد و كمبريدج و بنسلفانيا و جامعة بكين الصينية و غيرها من جامعات العالم .

فيما يخص الواقع العالمي اليوم و رؤيته المستقبلية ، فالفيلسوف الأمريكي تشومسكي يرى أن ما يواجهه العالم اليوم في ظل أزمة وباء كورونا المستجد ، ما هو إلا جزء من كابوس رهيب أكبر مقبل ، و برأيه أنه إذا لم يسارع البشر لتنظيم أنفسهم و للتضامن فيما بينهم بغية تحقيق عالم أفضل من العالم الذي تتواجد فيه اليوم ، ستواجه البشرية خطر الإنزلاق إلى عالم تكون فيه مفاهيم و قيم مثل الحق و العدل و الديموقراطية في خطر ، أو على الأقل في أدنى مستوياتها.

هذا فضلا عن الحجز الذي سيكون في التعامل مع خطرين وجوديين قادمين في المستقبل القريب ، و سيكونان أسوأ بكثير من أي شيء حدث في التاريخ البشري، إذ لم يقتصر خطرهم على تعطيل الحياة أو الدورة الاقتصادية كما يحدث اليوم ، وإنما سيهدادن بشكل جدي مصير الجنس البشري و حضارته، و هذان الخطران هما التهديد المتزايد أولا لإندلاع حرب نووية عالمية، و الثاني هو التهديد المتزايد لأزمة الإحتباس الحراري العالمي ،قد يحيلان الأرض إلى مكان غير صالح للحياة .

من هنا يشدد تشومسكي على تاريخية اللحظة الراهنةالتي يمر بها العالم، ليس فقط بسبب أزمة الوباء ، بل أن الوباء قد ساهم و سيساهم في زيادة الوعي الإنساني بالعيوب الكبيرة لعالم اليوم ، هذا العالم الذي ترنح و لم يحتمل ضغط وباء لازال في مراحله الأولى ، و يعتقد أنه برغم كل النتائج المروعة بفيروس كورونا سواء الحاصلة اليوم أو التي ستأتي في المستقبل ، بل إنه يرى أن لهذا الوباء جانبا مضيئا يتمثل في كونه جرس إنذار مبكر، و درسا للبشرية قد يدفع الناس إلى نوع العالم الذي تريد تحيا بداخله . و هنا يتسائل تشومسكي ما هو نوع العالم الذي نريده؟
هل نريد عالما يؤدي إلى هذا النوع من الأزمات؟ معتبرا أنه للإجابة على السؤال لابد لنا من العودة إلى البحث في الجذور التي تؤدي الى الأزمات التي كما قلنا ستكون أسوأ بكثير في المستقبل القريب.
و بالعودة إلى أصل الأزمات أيضا يطرح السؤال التالي ، لماذا أصلا توجد أزمة كورونا؟

و يجيب تشومسكي لأنها تعبير على فشل إقتصاد السوق، فالأزمة التي يمر منها النظام العالمي كما يرى تشومسكي هي أزمة اديولوجية في المقام الأول ، سببها فشل المنظومة النيوليبرالية القائمة فلسفتها الإقتصادية على تعظيم الأرباح ، و أي إنحراف على هذا الإلتزام الأخلاقي بين قوسين من شأنه أن يحكم أسس الحياة المتحظرة كما ترى هذه المنظومة ،فما يحكم النظام إذن هو المنفعة و الربح فقط ، هذا ما يشكل القيمة التي تسقط أمامها أي اعتبارات أخرى و هذا أصل أزمة كورونا كما يرى تشومسكي.

فقبل فترة طويلة كان هناك معلومات و تحذيرات جديدة من العلماء بأن الفيروس القادم سيكون من نوع كورونا، و هو نوع معدل من فيروس سارس الذي تم السيطرة عليه قبل 15 سنة ، يقول تشومسكي أنه في ذلك الوقت تم التعرف على الفيروس بعد دراسة تسلسله ، لكن الذي حدث أنه لم يلتفت أحدالى ذلك ، لقد كان من الممكن إتخاد مبادرات لتطوير دفاعات و أنماط علاجية و وقائية و لقاحية ،لكن المختبرات لم تعمل على ذلك ، لأن هذا النظام لا يقيم وزنا إلا إذا كان من ورائه منفعة أو ربح مباشر، هذا ما يحكم السوق اليوم ، و شركات الأدوية هي في النهاية دكتاتوريات إسمها مؤسسات خاصة محمية من النظام الإقتصادي، و بالتالي لا تخضع للمساءلة في مثل هكذا حالات، هذه الشركات التي لا هم لها سوى زيادة الربح، لذلك فصناعات مستحضرات جديدة للوجه أو الجسم هي اكثر ربحية لها من إيجاد لقاحات قد تحمي الجنس البشري من الزوال ، و ربما لكانت خففت الكثير من الوفيات الحاصلة اليوم .
العالم كما يرى تشومسكي كان يعاني منذ سنوات طويلة و كثير من الأزمات كان من الممكن حلها تحت تدخل حكومي مباشر ، لكن هذا التدخل تحول دونه خطوط حمراء و لأسباب أديولوجية يقوم عليها النظام الإقتصادي النيوليبرالي كقاعدة الرأسمالية الحاكمة ،قاعدة اليد الخفية و دعه يمر ، و التي تعتبر أي تدخل حكومي في دورة الإقتصاد سيكون عائقا أمام تقدم هذا الإقتصاد ، مما يعني- كما يرى تشومسكي- أنه يجب تسليم عملية صنع القرار بشكل كامل إلى عالم الأعمال، و هذا العالم مكرس لقطاع الربح الخاص ،وليس فيه أولئك الذين قد يهتمون بحياة البشرية أو بالصالح العام .
فيسأل تشومسكي هل هذا العالم_ كما هو هكذا _ قادر على التعامل مستقبلا مع كل التهديدات القادمة فضلا عن استعداد لها ، و ما هو الحل؟

الحل كما يرى تشومسكي يكمن في التخلص من الخصائص المختلفة في النظام الإقتصادي و الإجتماعي كله ، لا يدعو طبعا إلى هدمه او إلى تغييره برمته بأنظمة أخرى إشتراكية أو غيرها ، و إنما يدعو إلى إزالة ما فيه من عقبات و تطويره أو حتى استبدالها، المهم عنده أن يظهر نظام عالمي إنساني كي يكون هناك مستقبل للبشرية قابل للبقاء ، أما كيف يحصل هذا الأمر فيرى تشومسكي أن الأمر صعب جدا، لكنه ليس مستحيلا ،ويمكن أن يحدث هذا الأمر من خلال خلق حركة إجتماعية إنسانية نشيطة تدفع نحو هذا الإتجاه خاصة تحت ظل الوعي المستجد في ظل الأزمة الراهنة،كما يرى تشومسكي لكي تبدأ هذه الحركة فورا حتى في ظل الحجر المنزلي و التباعد الإجتماعي الحاصل بين ملايين البشر في البلد الواحد أو بين مليارات البشر في العالم ، حان الوقت للإستفادة خصيصا من تكنولوجيا الأنترنيت من الهواتف الذكيه و مواقع التواصل الإجتماعي و هذه الثورة المعلوماتية و كل هذه الوسائل إذا أحسن استخدامها ، كما يرى ستحدث كل الفرق و ستساهم في تنظيم الصفوف و في التضامن و التكافل الإجتماعي و الإنساني ، و ستعمل على الإستقطاب و على التنسيق و التعاون و التشاور، و طبعا الضغط من أجل التغيير و من أجل الحفاظ على الديمقراطية المهددة اليوم ، بسبب الإجراءات الإستثنائية التي تطبقها الحكومات من إغلاق للمناطق و للحدود سواء في البلد أو مع البلاد المجاورة ، من فرض حالة الطواريء و حضر التجول و إنزال الجيش إلى الشوارع في العديد من الدول و إتخاد قرارات ميدانية قد تقلص الحريات المدنية بشكل كبير جدا.

هذه الإجراءات و غيرها كما يرى تشومسكي قد تتسبب بتدهور الديمقراطية و النزوع نحو الإستبداد في كثير من المناطق، و إذا أضفنا إلى كل هذه الأمور ما هو متوقع من إنهيار محتمل للنظام الإقتصادي العالمي، سنكون هنا أمام كارثة ديمقراطية ،.
فالنزعة الإستبدادية ستتفاقم و ستتضخم ، و هنا يلمح تشومسكي إلى أن بعض الحكومات ربما وجدت في هذا الوباء فرصة للتعسف و لتضييق الحريات، و يبدي خشيته من أن تتحول الإجراءات الإستثنائية هذه إلى إجراءات دائمة، طبعا من هنا يرى تشومسكي أو يخلص إلى رؤية ، و هي أن العالم اليوم أمام خيارين، إما أن نكون أمام عالم ذو نزعة إستبدادية تتحول فيه الأنظمة إلى أكثر ديكتاتورية و أكثر وحشية ، و إما العودة إلى المصطلحات الإنسانية المعنية بالاحتياجات البشرية، و طبعا ذلك على حساب مصطلحات المنفعة النيوليبرالية، و هذا ممكن أن يوصل كما يرى تشومسكي إلى اعادة بناء عالم جديد من بين الحطام الذي ستتركه الأزمة الحالية، و هذا العالم سيكون قابلا للحياة و للبقاء و لمواجهة الازمات.

و يعلق تشومسكي موجها كلامه لساسة العالم محذرا إياهم و قائلا لهم: إستوعبوا المتغيرات.. إستوعبوا حركة التاريخ، لأن الأمور كما يقول لن تعود بطبيعتها ،ولأن الوضع الطبيعي كان هو المشكلة ، أما رسالة تشومسكي لشعوب العالم هي أن تمتلك الإرادة و العزم و التصميم ، و يكفي ألا تفقد الأمل، فقد مرت البشرية بأزمات وجودية كبرى إستطاع الإنسان أن يتخطاها و أن يستمر و أن يبقى .




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.