جريدة فاص
بقلم : محمد المخلوفي(طاطا)
في ظل أزمة كورونا وما رافقها من جدل بشأن سبل معالجة تداعياتها الصحية و تقوية جهاز المناعة للوقاية منها، يدور نقاش ساخن يصل إلى حد التراشق الإيديولوجي حول شخصية معروفة على الصعيد الوطني ، كانت سببا في تغيير عادات غذائية للعديد من المغاربة ؛ وقد تهيبت كثيرا الدخول في هذا النقاش، لأن خوض غماره يتطلب قدرا مقبولا من التكوين قي مجالي الطب وعلم الاغذية من جهة؛ وإحاطة كبيرة بخبايا لفكر الحداثي والتوجه العلماني من جهة ثانية؛ ومن جهة ثالثة؛ إلماما واطلاعا على الفكر الاسلامي بمختلف تياراته التي قد تصل حد التصادم احيانا، وهي أمور لا يتسير الواحد منها لمتتبع بسيط إلا بصعوبة بالغة؛ فكيف بها كلها!!!
لن أذهب في اتجاه شخصنة النقاش فأدافع عن هذا أو أهاجم ذاك، لكن سأحاول في هذه المساهمة البسيطة أن أكون الصوت الثالث الغائب/المغيب، والذي أعتقد انه صوت المتابع الصامت الذي يمثل فئة عريضة من المجتمع.
في البداية، لابد من التأكيد على أن حديث شرب بول البعير صحيح لا نقاش فيه ولا جدال إلا جدال صاحب الاسطورة ومن يسير في فلكه . فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن قوما جاؤوا إلى المدينة فمرضوا،فأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا مع راعيه في إبله فيصيبون من أبوالها وألبانها فخرجوا، فلما صحت أبدانهم قتلوا الراعي وساقوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فلما جيء بهم اقتص منهم وفعل بهم ما فعلوا بالرعاة.
وبخصوص روث الإبل وفرثها فتنقل إلينا كتب الفقه اختلاف الفقهاء في طهارة الأول بين من يرى طهارته قياسا على لحمها واستنادا إلى جملة من الادلة التي يسوقها المختصون؛ وبين من يرى نجاسته. وتنقل إلينا كتب السيرة لجوء الصحابة إلى شرب ماء الثاني(الفرث) للضرورة في غزوة تبوك، فعن عمر رضي الله عنه قال : “خرجنا في حر شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع … حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ” (البداية والنهاية لابن كثير، الجزء الخامس)
وإذا كان موضوع فرث الابل وروثها واضحا إذ لم ترد بخصوصه إشارة ولا تلميح ولا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم باستعماله أو التداوي به فإن موضوع بولها الذي وردت في الحديث السالف الذكر إشارات واضحة لاستعماله مع الألبان لأغراض علاجية يحتاج إلى وقفة للتأمل والنقاش.
يسوق الحداثيون والعلمانيون هذ الحديث على سبيل التهكم والسخرية ممن يعتبروهم حملة للفكر الخرافي الساعين إلى الرجوع بالانساية إلى القرون الوسطى وإلى الأساليب الهمجية التي اكل عليها الدهر وتبرز. كما يتخذونه وغيره مطية للتهجم على كل من يحمل أفكارا “إسلامية” أو يدعو إلى أسلوب أو نمط عيش يخالف المعتاد في المجتمعات الغربية الحديثة او حتى الشرقية.
ويسوقه في المقابل أصحاب الأدلوجة الاسلامية الذين يضعون الحداثيين والعلمانيين كلهم في سلتين متشابهتين ؛ فيرمون بعضهم بالتحلل من ضوابط الدين وتعاليمه، ويوجهون سهام التكفير تصريحا أو تلميحا للبعض الأخر.. يسوقه هؤلاء في سياق الدعوة إلى الالتزام بالهدي النبوي واتباع السنة الشريفة شبرا بشبر وحرفا بحرف حتى أن البعض منهم ليجلس الساعات الطوال قرب الناقة و البعير ينتظر تبولهما ليتلقفه ساخنا طازجا.
وإذا كان التقاطب الشديد والتعصب للرأي والأحكام المسبقة هي أهم ما يوجه ويؤطر النقاش بين الطرفين فإنني أعتقد أن هناك أمورا غائبة/ مغيبة عند الطرفين معا، وأشياء أخرى غائبة / مغيبة عند هذا الطرف وأخرى عند ذاك.
1. ما تغافل عنه الطرفان:
يدرك الحداثيون ويفهم معهم الاسلاميون أن النقد علما كان أو فنا هو مطلب قائم بذاته؛ ومن أبسط البديهيات لدى الناقد؛ إلمامه بموضوع النقد وإحاطته بتفاصيله ودقائقه؛ فكاتب التهافت على سبيل المثال ملم بفلسفة ابن رشد، وهذا الاخير ملم بفكر الغزالي وبتهافته، وناقد العقل العربي عليه رحمة الله مطلع إطلاعا واسعا على أنماط التفكير عند العرب ومكامن الداء لديهم والدواء في هذا الباب.
لكن وبالرجوع إلى موضوعنا نجد أن معظم الحداثيين يقفون ضد صاحب الطب النبوي لا لشيء إلا لأنه محسوب على تيار فكري معين، ويخلط في كلامه بين “قالت المختبرات” و ” قال الله ورسوله” في تناغم واضح مع قناعتهم الراسخة بأن الدين شأن شخصي يخص علاقة الفرد بربه لا يصح إقحامه في الحياة العامة وفي مختلف مناحي الحياة التي تتطلب تدبيرا إنسانيا مشتركا.
في حين نجد أن الغالبية العظمى من مؤيدي صاحب نظرية صوم مريض السكري وطرحه الفكري تتصرف في إطار رد الفعل و “نصرة الأخ ظالما أو مظلوما” دون الانتباه إلى أن ضبط العلوم الحقة تتطلب ضبط لغة المختبرات قبل فنون الخطاب.
ما يغيب إذن عن الطرفين هنا، وفي ظل القصف المتبادل هو أن مناقشة موضوع التداوي ببول الابل وصوم مريض السكري ومحاربة كورونا بالقرنفل واستنشاق بخار الماء الساخن ونوع السلوك الغذائي المناسب هو شأن علمي محض يجب أن يضطلع به أصحاب الاختصاص بالحجة والدليل، بعيدا عن التجادبات والمزايدات الايديويلوجية وتسييس ما لا يسيس.
2. ما غاب أو غيب عند الفائديين:
• يؤكد المختصون في العلوم الشرعية أن كل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقصد منه التشريع بالضرورة .. فقد يتصرف صلى الله عليه وسلم ويتكلم كنبي مرسل؛ وقد يتحدث ويسلك كإنسان يسري عليه مايسري على غيره من الطبائع البشرية؛ وقد يتصرف كقائد حرب يصدر عنه تكتيك هنا لا يصلح لحرب أخري في سياق زمني ومكاني مختلف .. وقد وقد …
• لا يوجد في الحديث ما يفيد الوجوب، بل حتى ما يفيد سنية اتباع ذلك الهدي في التدواي.. ولو وجد فقد يفهم منه التخصيص لا التعميم.
• لم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم طبيبا (بالمعنى المتعارف عليه) بل أرسل رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا ؛ أما حاجات النس الدنيوية التي تتغير بتغير الأزمنة والامكنة والأحوال فقد قال عنها :”انتم أعلم بامور دنياكم” وقد وردت هذه القولة في سياق تدبير الصحابة لأعمالهم الفلاحية ؛ فقد أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال :”لو لم تفعلوا لصلح” قال فخرج شيصا (أي ثمرا رديئا) فمر بهم فقال ما لنخلكم ؟ قالوا :” قلت كذا وكذا …” قال :” انتم اعلم بأمور دنياكم”.
• الانتفاع ببول الابل إذا كان فيه نفع لا يكون بالضروة بالضروره بتلقفه مباشرة من الناقة والبعير وشربه كماهو.. بل الأولى الاشتغال عليه واستخلاص مكوناته العلاجية وتقديمها للناس في شكل يحفظ كرامتهم، ويرفع الاستقذار الذي يجدونه في شربه مباشرة؛
• ربط الوحي المطهر بالمجهود البشري النسبي فيه من المحاذير الكثير؛ وهو يمس بقدسية النص الديني، ويضفي على المجهود البشري النسبي قدسية لايستحقها.
كما قد يكون فيه إذا لم تؤمن النية السيئة لصاحبه من المغالطة والتضليل ما فيه.
3. ماغاب/ غيب عند العلمانيين والحداثيين:
قد تكون النقط الغائبة عند الاسلاميين كلها أو بعضها غائبة أو مغيبة كذلك عند خصومهم العلمانيين، لكن ينضاف إليها:
• أن مصادر كثير من الأدوية التي يجدونها في العبوات الأنيقة والعلب الجميلة أقذر من بول البعير، بل وأقذر مما يتصورون.. فقد يكون المصدر برازا بشريا، أو منيا رجاليا ، أو حشرات تشمئر النفس من وضعها في اليد بله الفم؛
• أن إعمال العقل الذي هو ديدن العلمانيين يقتضي التوجه إلى نقد الافكار ونقض النظريات بالحجة والدليل بدل الانشغال بالأشخاص وبميولاتهم الشخصية وقناعاتهم الدينية التي تخصهم.
وأخيرا تعالوا بنا إذا شئتم نحتكم إلى هذه الكلمات الربانية التي لا يختلف حولها اثنان:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ “

