جريدة فاص
عبد اللطيف شعباني
تجري الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في تونساليوم بين منافسين في غاية الاختلاف، إذ إن قيس سعيد ونبيل القروي أتيا من خارج خارطة الأحزاب، مع تباين كبير في المرجعية والاهتمامات.
يعتبر نبيل القروي أحد صانعي الإعلام التونسي وصاحب قناة نسمة ،وسيخوض الانتخابات الرئاسية اليوم الأحد، وهو ينتمي إلى واحد من أرقى شوارع تونس وأغلاها للانتقال من بيته إلى قصر الرئاسة. أما بالنسبة لمنافسه استاذ القانون قيس يعبد فستكون رحلته غاية في الاختلاف، إذ سيمرّ عبر أحياء فقيرة تفجرت فيها ثورة 2011 حيث تمتلئ المقاهي بالشبان العاطلين عن العمل.
ويسلط هذا التناقض الصارخ بين الحيين، حي قرطاج حيث بيوت الموسرين الذي يعيش فيه القروي، وحي المنيهلة الشعبي حيث يعيش سعيد، الضوء على الاختلافات الأخرى العديدة بين الرجلين سواء في السياسة أو في التوجهات الشخصية.
يصور أنصار القروي، رجل الأعمال الذي يواجه اتهامات فساد، جولة الانتخابات الثانية على أنها اختيار بين نصير فقراء تونس العلماني الناجح في حياته المهنية من جانب، ومحافظ لا يملك خبرات ويحظى بدعم الإسلاميين من جانب آخر.
أما أنصار سعيد، أستاذ القانون الذي لم يكد يمارس دعاية تذكر في السباق الانتخابي، فيرون أن السباق بين مرشح متواضع من أصحاب المبادئ يمثل ثورة 2011 التي جلبت الديمقراطية للبلاد، وبين مرشح من النخبة الثرية الثابتة في تونس.
رغم أن الرئيس يملك صلاحيات أقل من رئيس الوزراء، إلا أن المنصب ما يزال يمثل أرفع مسؤول منتخب عبر انتخابات مباشرة في تونس وله نفوذ سياسي واسع، بينما يختار البرلمان الذي انتخب يوم الأحد الماضي رئيس الوزراء.
لم تنشر استطلاعات للرأي منذ ما قبل فترة الانتخابات، لكن سعيد حصل على 18.4% من الأصوات في الجولة الأولى الشهر الماضي، بينما حصل القروي على 15.6%.
قدم كل من الاثنين نفسه على أنه من خارج النخبة السياسية مستفيدا من موجة الاستياء الشعبي من سنوات الركود الاقتصادي التي أعقبت ثورة 2011 التي أطلقت شرارة الربيع العربي.
قبل يومين شهد التونسيون مناظرة بين الاثنين وجها لوجه للمرة الأولى، لأن القروي كان محتجزا في انتظار صدور حكم في محاكمته بتهمة التهرب الضريبي وغسل الأموال.
مع إبداء مؤسسات مراقبة الديمقراطية مخاوفها على مصداقية الانتخابات، أمرت محكمة مساء يوم الأربعاء الماضي بالإفراج عن القروي ما سمح له بالخروج من السجن ليستقبله حشد من أنصاره المهللين.
عززت مشاكل القروي القانونية الانطباع بين منتقديه بأنه انتهازي يخدم مصالحه، وبين أنصاره بأنه ضحية مكائد سياسية دبرها خصومه من أصحاب النفوذ.
كوّن القروي ثروته من شركة للإعلانات أنشأها مع شقيقه خلال حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي توفي في منفاه بالسعودية الشهر الماضي.
في الآونة الأخيرة، دأبت قناة نسمة، التلفزيونية المملوكة للقروي، والتي تعمل دون ترخيص، على بث تغطية مستمرة تبرز فيها أعمال القروي الخيرية في أفقر أحياء تونس. ومع ذلك فهو يتحدث عن ثروته وتتضمن رؤيته لتحسين معيشة الفقراء تعزيز الأعمال، وهو ما يتفق مع هوى الأثرياء.
لم يؤيد عدد يذكر من الناس سعيد في الشوارع المحيطة ببيت القروي التي تصطف على جانبيها أشجار السرو وتنتشر فيها سفارات أجنبية وقصور حكومية ومواقع أثرية رومانية تتلألأ في خلفيتها مياه البحر المتوسط.
قالت نبيلة نابلي، التي تعمل مربية لعائلة فرنسية في ضاحية قرطاج “في الجولة الأولى، صوت جميع الناس هنا لصالح نبيل القروي وسيصوتون له مرة أخرى يوم الأحد للحفاظ على مصالحهم”.
مع ذلك فإن القروي يحظى بقدر كبير من الدعم في أفقر المناطق بتونس، وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الأحد احتل حزبه المركز الأول في منطقة التلال الشمالية الغربية، وهي من المناطق المحرومة قرب الحدود الجزائرية.
قيس سعيد ونبيل القروي سيتواجهان في الانتخابات الرئاسية التونسية.
يتمتع سعيد قيس بدعم حزب النهضة، الذي احتل المركز الأول في الانتخابات البرلمانية يوم الأحد الماضي، كما يحظى بدعم بعض الجماعات العلمانية واليسارية.
وقد أبدى سعيد بعض الآراء الاجتماعية المحافظة، معارضا المثلية الجنسية والمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، لكنه لم يعلن آراءه في القضايا المتعلقة بالسياسات. وينصب تركيزه المعلن على تأسيس شكل من أشكال الديمقراطية المباشرة، لكنه يريد أيضا منع تأثير المال الأجنبي في تونس وزيادة دور الدولة في الاقتصاد.
يرى كثيرون أن جاذبتيه تكمن في شخصيته، ولم ينفق سعيد أي أموال على حملته الانتخابية مفضلا الحديث ببساطة مع الناس في المقاهي، وعزز أسلوبه الشخصي الرسمي صورته كرجل مستعد لاقتلاع الفساد والمحاباة والامتيازات لفئات بعينها.
في حي المنيهلة الواقع على مشارف تونس، يعيش سعيد في بيت كبير في منطقة سكنية جديدة للطبقة المتوسطة تحيط بها عن قرب مناطق أفقر كثيرا.
في مقهى مقابل المسجد الذي يصلي فيه سعيد أحيانا، قال النادل إن عادات سعيد اليومية تتطابق مع صورته العامة، وقال “إنه جدي للغاية وشخصية تحظى باحترام الجميع، إنه يأتي كل يوم في نفس الوقت بالضبط ويأخذ قهوته ويغادر للعمل بعدها … إنه دقيق في كل شيء مثل الآلة”.
على طريق المنيهلة الرئيسي، وأمام خيمة لبيع الفواكه يفسر عادل الزيدي لماذا سينتخب سعيد؟، ويقول “بالنسبة لنا كشباب محبط، سنصوت لأي قادم جديد مثله للتخلص من النظام القديم الذي باع لنا الأوهام.

