سعيد حجي
كانت جالسة قبالتي في المقهى، تشرئب بعنقها يمينا ويسارا، كأن رقبتها بوصلة صغيرة تبحث عن اتجاه، عن يد عابرة تمنحها نارا مؤقتة وتختفي. المقهى في تلك اللحظة كان مسرحا صامتا تتوزع فيه الأجساد كأنها جزر منفصلة، كل واحد يحمل قصته في صمت، يراقب دون أن يتورط، ينتظر دون أن يعترف بأنه ينتظر. وهي، في قلب هذا المشهد، كانت تتحرك بخفة، بحركة فيها شيء من القلق اللطيف، شيء يشبه ما يسميه علماء الاجتماع “التوتر الحضري الخفيف”، حيث يتعلم الإنسان كيف يخفي حاجاته تحت قشرة من اللامبالاة…
سيجارتها خرجت من العلبة ببطء محسوب، وكأنها تعرف مسبقا أنها ستؤدي دورا في هذا اللقاء الصامت. بدأت تلاعبها بين أصابعها الشفافة، حركة صغيرة، لكنها تحمل دلالة كاملة عن العلاقة بين الإنسان وعاداته، عن تلك الطقوس اليومية التي تتحول إلى لغة خفية، إلى إشارة يقرأها الآخرون دون اتفاق مسبق. الأصابع نفسها بدت وكأنها تعرف أكثر مما تقول، كأنها تدرك أن هذا اللعب محاولة لتأجيل لحظة الطلب، لتأجيل الاعتراف بالحاجة، لأن الإنسان في المدن يتعلم أن يطلب بأقل قدر ممكن من الانكشاف…
كنتُ أراقبها دون أن أظهر ذلك، كما يفعل الجميع حين يتورطون في لحظة اهتمام غير معلنة.
انتباهي لم يكن موجّها إلى السيجارة، بقدر ما كان موجها إلى الفراغ الذي حولها، إلى تلك المسافة التي تفصل بين الرغبة والجرأة. في هذا الفراغ تحديدا تتشكل الكثير من العلاقات الإنسانية، علاقات تبدأ بإيماءة، بنظرة، بحركة صغيرة تتضخم داخل الوعي…
لقد كنتُ على استعداد تام، إذا طلبتْ مني ذلك، ولأجل عيونها الواسعة، أن آتيها بكل حرائق الجنوب، وليس بالولاعة فقط…
الاستعداد كان اندفاعا داخليا، نوعا من “الاستجابة العاطفية الفورية” التي تسبق التفكير. الإنسان في مثل هذه اللحظات لا يقيس الأشياء بحجمها الحقيقي، يقيسها بحجم الأثر الذي تتركه فيه. ولاعة صغيرة كانت ستكفي، لكن الخيال توسّع، تضخّم، صار الحريق فكرة، وصارت الرغبة في الإعطاء تتجاوز الحاجة نفسها، لأن بعض الرغبات لا تبحث عن تلبية، انما عن تعبير.
كانت تنظر حولها، نظرة فيها شيء من الثقة بأن العالم سيستجيب، بأن هناك دائما شخصا مستعدا لأن يكون الوسيط بين الحاجة وتحقيقها. هذه الثقة تأتي من تراكم اجتماعي طويل، من إدراك غير معلن بأن بعض الوجوه تملك قدرة على استدعاء الاستجابة، على تحريك الآخرين دون كلام.
في تلك اللحظة، شعرتُ أن المسافة بيني وبينها لم تكن تقاس بالأمتار، انما بمستوى الجرأة، بمقدار ما يمكن أن يتحمله الإنسان من انكشاف. كم يبدو بسيطا أن تمد يدك بولاعة، وكم يبدو معقدا أن تعترف بأنك كنت تنتظر هذه اللحظة. هنا يتدخل ما يسميه علم النفس “اقتصاد المشاعر”، حيث يحسب الإنسان كلفة كل خطوة، كل مبادرة، كل إشارة.
المدينة تعلّمنا أن نكون حذرين، أن نمر بجانب الفرص كما نمر بجانب الغرباء، بنوع من الحياد المصطنع. ومع ذلك، يبقى في داخل كل واحد تلك الرغبة القديمة في أن يخرق هذا النظام، أن يقدم شيئا دون حساب، أن يتحول من مراقب إلى فاعل.
كانت السيجارة لا تزال بين أصابعها، تنتظر نارا، تنتظر لحظة اكتمال…
لم تطلب،
واستمرّت في البحث بنظراتها، واستمرّ المقهى في أداء دوره كفضاء محايد، واستمرّ قلبي في إعادة صياغة المشهد كما لو كان أكبر مما يبدو.
بعض اللحظات لا تحتاج أن تكتمل، يكفي أن تعاش بهذا التوتر الخفيف، بهذا الاحتمال المفتوح، بهذا الحريق الصغير الذي لا يرى أحد دخانه، لكنه يترك أثره طويلا.

