ذ / نزار لعرج
ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
هذا كل ما جاد به الذهنُ، بينما الورقةُ تتوجسُ خيفةً من أشباحِ نزار التي كانت تملأُ حواشيها؛ الآن يحدقان في بعضهما بصمت جنائزي. الرباط مدينة مؤدبةٌ لدرجة مريبة، تُعلمني كل يوم كيف أدسُّ ارتباكي تحت معطف داكن، وأمشي كأنني جزءٌ من رصيفها. غير أنَّ ربة الشعر التي وهبت هوميروس ملاحمه الأولى، يقتلها ضجيجُ هذه المدينة ولا تمنحني ولو مفردة يتيمة. عانيتُ الأمرَّين في الدار البيضاء أيضا؛ فأنا سليلُ المدن الهادئة، تلك التي تمشي الهوينى سلحفاة عجوزا. خضتُ غمار مباراة التعليم الثانوي التأهيلي هربا من رتابة النحو، فأنا لا أريد أن أشرح للفتية الفعل اللازم، وها أنا بعد نجاحي أمارس فعلا لا لزوم له: الانتظار.
بخط مرتعش أخيرا كتبتها.. لأن المقهى صار مليئا بالناس ولم أجد لي فيه مقعدا سوى هذه الورقه!
“من تُقَى العيونِ في المقهى صِرتُ حارسا للمحال! أرى النورَ ينسكبُ من عينها وأعرفُ أنني من الظلال!”
تمخض الجبل فأنتج جملة باهتة أمام سطوةِ الأصل. أجلسُ في رُكن قصي داخل مقهى يخنقني برائحة الماضي، وأراقبُ جدائل امرأة تشربُ قهوتَها في كوب أسود بوقار حزين. كيف تستحمل امرأة برقتها مرارة “طاليان، سُكرة ونصف”؟ لقد استحالَ الكوب فجأة في ذهني إلى ذلك الكأس الملعون الذي صنعهُ ديكُ الجن الحمصي من رمادِ محبوبته ورد.
ثمةَ سرٌّ في أدب عبد السلام بن رغبان أغفلهُ الأقدمون، وهو ميتافيزيقا الاحتواء القاتل. نحنُ نعرفُ القصةَ التي تداولها الرواةُ التقاة: غيرة عمياء، فقتل لورد وصديقها، ثمَّ إحراقٌ للجسد، وامتزاجٌ بالرماد. غيرَ أنَّ السؤال الذي يؤرقُني هو: لماذا أرادَ الشاعرُ أن يشربَ محبوبتَه!؟
إنَّ الفعل الإجرامي هنا هو في حقيقته فعل تأويلي متطرف. ديكُ الجن لم يرضَ بأن تظلَّ ورد نصا خارجيا، نصا يمكنُ للآخرينَ أن يقرؤوه أو يلمسوه. أراد أن يحولَها إلى مادة تدخلُ في كيانهِ البيولوجي، أن تتحولَ من موضوع للرؤية إلى ذات رائية من الداخل. كان يهدفُ إلى إلغاء المسافة الوجوديةِ بين الرائي والمرئي. القتلُ هنا هو القراءة النهائية التي لا تسمحُ بأيِّ تأويل مغاير أو شريك في المتن.
تأملتها بعد استطرادي هذا مرة أخرى؛ كانتْ عيناها تفيضانِ بنور يرفضُ الحصار، بينما كنتُ أنا حارسَ المحال، أحاولُ أن أفهمَ كيف يمكنُ للقصيدةِ أن تكونَ رمادا معبأً في كؤوس اللغة. القصيدةُ عند ديكِ الجن عمليةُ تدوير للجسدِ المادي إلى جسد لغوي سائل. هو يقتلُ الكائنَ الحي لكي يمنحَ الكائنَ النصي خلودا ماديا يلمسهُ بفتحاتِ حواسه.
هنا تكمنُ الفجيعةُ النقديةُ التي غابتْ عن الأذهان: النصُّ لا يكتملُ إلا بموتِ المرجع. لكي تولدَ القصيدةُ التي خلدتْ ورد، وجبَ على ورد البشرية أن تموت. الشاعرُ هنا هو الجزارُ الذي يطعمنا من لحمِ مأساتهِ لكي ننتشي نحنُ بجماليةِ الإيقاع. نحنُ نشربُ مع ديكِ الجن من الكأسِ ذاتها في كلِّ مرة ننشدُ فيها شعره، نتلذذُ بمرارةِ الرمادِ دون أن نشعرَ بوخز الضمير؛ لأنَّ البلاغةَ غسلتِ الدماءَ وحولتها إلى استعارات لذيذة.
وكأس صَهْباءَ صِرْفٍ ما سَرَتْ بِيَدٍ
إلى فَمٍ ما طَعْمُ ضَرَّاءِ
كأنَّ مِشْيَتَها في جِسْمِ شَارِبِها
تَمَشي الصُّبْح في أَحْشَاءِ ظَلْماءِ
لمحتُها تبادلني النظرة، فأدركتُ أن علي أن أقوم من مقعدي فورا. ورد لم تكن الضحيةَ الوحيدة. الضحيةُ الكبرى هو الشاعرُ الذي حُكمَ عليه أن يظل حارسا لذكرى صنعها بيديه، وأن يقتاتَ على ظلال جسد كان يوما نورا يملأُ الآفاق. لقد صارَ هو السجن والسجين، الكأسَ والشراب.
خرجتُ إلى صخب الزحام هاربا من بداية قصة، موقنا أنَّ الكتابةَ أرقى أنواع القتل؛ فنحنُ لا نخلدُ الأشياءَ إلا بعد أن ننزعَ عنها روحَها الحرة، ونحبسَها في توابيتِ الورق.

