تحقيق العدالة المجالية بالمغرب: رهان التنمية المتوازنة

عبد اللطيف شعباني

تُعدّ العدالة المجالية من أبرز القضايا التي يراهن عليها المغرب لتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة، حيث تهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الجهات، وضمان توزيع عادل للثروات والخدمات الأساسية بين المجالين الحضري والقروي.

إن العدالة المجالية مبدأ يهدف إلى تحقيق التوازن والإنصاف بين مختلف المناطق والجهات داخل الدولة، من خلال توزيع عادل للثروات والخدمات العمومية والبنيات التحتية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المجالين الحضري والقروي، بما يضمن تكافؤ الفرص وتحسين ظروف العيش لجميع المواطنين.

وقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة إطلاق عدد من المشاريع والإصلاحات الكبرى في إطار الجهوية المتقدمة، التي منحت الجهات صلاحيات أوسع لتدبير شؤونها التنموية، بما يراعي خصوصيات كل منطقة وحاجيات ساكنتها. كما ساهمت البرامج الحكومية، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في تحسين ظروف العيش بعدة مناطق نائية، من خلال دعم البنيات التحتية، والتعليم، والصحة، والتشغيل.
ورغم هذه الجهود، لا تزال بعض المناطق تعاني من الهشاشة وقلة فرص الشغل وضعف الخدمات، مما يطرح تحديات حقيقية أمام تحقيق عدالة مجالية فعلية. ويؤكد الخبراء أن نجاح هذا الورش يتطلب تنسيقًا أكبر بين الدولة والجماعات الترابية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار المحلي وتثمين الموارد الطبيعية والبشرية لكل جهة.

استجابة للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2025، واستكمالا لتعليماته لإعداد جيل جديد من برنامج التنمية الترابية المندمجة، أطلق وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، ورشا استراتيجيا يهدف إلى إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تروم إلى تحقيق العدالة المجالية، وتوفير شروط التنمية المتوازنة والمنصفة لكافة جهات المملكة، و تستند إلى خصوصيات المجالات المحلية و مبادئ العدالة المجالية و التكامل بين الفاعلين.
يأتي هذا الورش في سياق استكمال أوراش الإصلاح الكبرى، التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، على ضرورة تجاوز الاختلالات المجالية، والتفاوتات الاجتماعية، خصوصا في المناطق القروية المهمشة، من خلال مقاربات جديدة، تقوم على إشراك الفاعلين المحليين، واستحضار خصوصيات المجالات الترابية لكي يستفيد الجميع من التنمية بشكل منصف. ويكرس تلك دينامية المتواصلة لتعزيز البنيات التحتية والخدمات العمومية، والتقليص الفوارق المجالية، وتحسين ظروف العيش.
ووفقا للمنشور الوزاري، يجب أن تنطلق التنمية من حاجيات كل منطقة، وأن تكون النتائج ملموسة في حياة المواطنين خصوصا المناطق التي لم تستفيد بعد، وفي هذا الصدد يتعين التأكيد على أن تكون هذه البرامج معبئة بكافة جهود المتدخلين وعلى وضوح الأولويات والمشاريع ذات الأثر الملموس، ولا شك أن هذه البرامج الجديدة ستبنى على أربع أولويات رئيسية:
– أولا، النهوض بالتشغيل، وذلك عبر تحديد الإمكانيات الاقتصادية المحلية مع مراعاة خصوصيات كل مجال ترابي، المشاريع الكفيلة بخلق مناخ ملائم للمقولة والاستثمار المحلي، و المساهمة في احداث فرص عمل، خاصة بالقطاعات الانتخابية
– ثانيا، تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم
– ثالثا، تدبير استباقي ومستدام للموارد، وذلك بالنظر لتفاقم ندرة المياه و التغيرات المناخية.
– رابعا، التهيئة الترابية المندمجة في انسجام مع الأوراش الوطنية الكبرى.
إن تحقيق العدالة المجالية بالمغرب ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة أساسية لضمان الاستقرار الاجتماعي وتحقيق تنمية مستدامة تُنصف جميع المواطنين، مهما اختلفت جهاتهم ومناطق عيشهم.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.