قراءة في كتاب “مغربية الصحراء في أدبيات اليسار الوطني، ردا على اليسار العولمي” للباحث المغربي محمد الزاوي (2025)
لا يمكن فصل سياسية خارجية لدولة معينة، عن الديناميكية الداخليه لها. ويمكن ان نعتبر، بمعنى ما، ان السياسية الخارجية المغربية هي “سياسية الصحراء المغربية”، حيث تكون هاته الأخيرة هي نقطة الثقل في موازين العلاقات بالدول الاخرى، انها اللحظة التي ترى فيها الدولة المغربية ذاتها في العالم.
صدر كتاب “الصحراء المغربية في أدبيات اليسار العولمي” ( عن مركز المغرب الاقصى للدراسات والنشر، 2025 )، للباحث المغربي “محمد الزاوي”، بوصفه محاججة نظرية وتاريخية وعلمية، في سياق تاريخي ومنعطف حاسم تعيشه القضية الوطنية، من الاعتراف المتوالي بمشروعية وعقلانية الخطاب المغربي، وانتقال مجموعة من الدول من شرعية قائمة على الحياد الرمادي الى التموضع الواضح، الى قرار مجلس الأمن الأخير الداعم لمبادرة الحكم الذاتي على الأقاليم الصحراوية للمملكة تحت السيادة المغربية.
يبدأ الباحث م.الزاوي في هذا المؤلف بنقد تصورات اليسار العولمي، ويعرف هذا اليسار بأنه “اليسار العابر للحدود – الوطنية – والمتعالي على شروط التاريخ” (ص 14 من الكتاب)، انه اليسار الذي يعيد انتاج خطاب السبعينات في عالم مختلف (والخطاب في السياقين التاريخيين خاطئ)، اي اليسار الذي لا يأخذ بالشرط الوطني ويتعامل مع المفاهيم كحقوق مطلقة، دون أن يسأل : متى ؟ ولمن ؟ وبأية شروط تاريخية ؟ ان الكتاب يعمل على تفكيك المفاهيم المجردة، وعلى سبيل المثال، فان مفهوم مثل “تقرير المصير”، الذي كان كان مفهوم في الشرط الغربي الخاص، والذي وظف كأداة تحرير للشعوب من الامبراطوريات، قد اصبح في السياق المابعد استعماري اداة لتفكيك الدول، ما يؤدي الى اضعاف الدول المصنفة ك”جنوب عالمي”. وان الكونية التي يزعم اليسار العولمي لنفسه ليست سوى تعميم لتجربة محلية غربية مخصوصة، والكتاب موجه بالأساس، بغاية انزال هذا الخطاب السياسي من مقام “الضمير الكوني، الاخلاقي، الذي لا يأتيه الباطل” الى “الفاعل الايديلوجي المشروط في التاريخ المغربي”.
ان أس الإشكال (بالنسبة الى الباحث، من مقدمة المؤلف) يتمثل في أن هذا اليسار الذي تخلى عن الماركسية كنظرية، وتحول من يسار وطني شعبي ديمقراطي الى يسار حقوقي على الشاكلة الليبرالية الجديدة، وهو في ذلك على تماه مع الامبريالية الحقوقية العولمية العابرة للحدود، انه يسار الشركات المتعددة الجنسيات، يسار ثقافي في اطار تقاسم العمل الاجتماعي بينه وبين اليمين المسيطر على المستوى الاقتصادي، حيث ترك اليمين لليسار العولمي مهمة تفكيك القيم، تفكيك الروابط الاجتماعي، وتفكيك الدول الوطنية، من يسار الطبقات الشعبية الى يسار “حقوق الاقليات” و”الايكولوجيا”، و” وان هدف الكتاب، بتعبير مؤلفه هو “نقد الايديلوجيا العولمية في قضية الصحراء المغربية” (نهاية المقدمة). ان اعطاب هذا اليسار هي ثلاث : 1 – انه تجريدي على مستوى المفهوم 2 – إسقاطي على مستوى التجربة التاريخية 3 – وعولمي (والعولمية غير الأممية) على مستوى الغاية.
وفي مقابله يقترح الباحث محمد الزاوي ذلك اليسار “التقدمي من الداخل، والمحافظ من الخارج” (ص14)، المستند الى “ماركسية سديدة” بتعبير جورجي لوكاتش، ماركسية قادرة على ترتيب التناقضات (بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي)، وعلى التمييز بين منطق الدولة ومنطق القبيلة (او منطق ما قبل الدولة)، وبين النضال الوطني والنضال الديمقراطي، ونقاط التقاطع والتفاوت بينهما. ان هاته النظرية هي نظرية واعية بذاتها، اي بحدودها التاريخية، وهي في ذلك تهدف الى الى ادراج اي فكرة او خطاب او مفهوم داخل شروط نشأته التاريخية والسياسية، لا مفهوم خارج التاريخ، بدل التعامل معه كحقيقة كونية عابرة للأوطان. ان الممارسة الوطنية المحافظة (الواعية) خير من الممارسة العولمية (اللاواعية) المناقضة لمصالح الدولة والشعب المغربيين. ان اليسار الوطني (فيما يعرضه المؤلف من مواقف) لا ينقض اليسار العولمي باسم قومية ضيقة، فمنذ بنبركة الى منظمة العمل، كان اليسار المغربي ذا نفس وحدوي، بل هو (ولهذا) يسار اكثر تاريخية، واكثر واقعية، واكثر مسؤولية، ان الزاوي يسقط وهم ان هذا اليسار هو “اليسار في ذاته”، ويحاجج بأدوات التحليل الماركسي، حتى “لا تحتكر اقلية هي عدمية، الحديث باسم الماركسية واليسار”.
يضم الكتاب عدة فصول، تعرض على التوالي المواقف النظرية والسياسية لمجموعة من اعلام ورموز اليسار المغربي، وهي بالترتيب كالتالي :
1 – موقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (من خلال نصوص الأستاذ عبد الله ابراهيم، الفقيه البصري، والمهدي بنبركة)
ثم مواقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (من خلال نصوص ومداخلات الاستاذ عبد الرحيم بوعبيد، محمد عابد الجابري، عمر بنجلون).
2 – موقف حزب التحرر والاشتراكية ثم التقدم والاشتراكية ( من خلال نصوص علي يعتة، ومولاي اسماعيل العلوي).
3 – موقف اليسار الجديد ( من خلال نصوص منظمة 23 مارس، منظمة العمل الديمقراطي الشعبية، محمد ينسعيد آيت ايدر، عبد السلام المؤذن، علال الأزهر، عبد الصمد بلكبير)
4 – نقد مواقف اليسار العولمي (موقف ابراهام السرفاتي، منظمة الى الامام، حزب النهج الديمقراطي العمالي)
5 – نقد موقف البوليساريو (ونقض ما تدعيه من وصل بالمرجعية اليسارية التقدمية بتعبير المؤلف)، حيث عمل الباحث الزاوي على تتبع هذا الخطاب من التأسيس الى الانحراف ثم لعب دور وظيفي امبريالي في مواجهة الدولة المغربية.
ونقتبس من الكتاب الفقرة التالية الدالة (دعم عبد الله ابراهيم تحركات الدولة، ودعا الى دعمها سنة 1974، فقد كان يراها تفعيلا سياسيا وديبلوماسيا لاستراتيجية التحرير، وكانضد تمييع تحركات الدولة في هذا الإطار بكل خلاف سياسي او اجتماعي داخلي، ص 40 من الكتاب)، ان هذا الاقتباس يكثف روح النظر اليساري : 1 – يسار يرتب التناقضات، 2 – يسار يميز بين التكتيكي والاستراتيجي، 3 – يسار يدرك ان السيادة الوطنية على مجموع التراب الوطني شرط سابق على تدبير الخلافات الداخلية. ان المؤلف مهم للمكتبة التقدمية المغربية، ويشكل اضافة نوعية للتراث اليساري الذي ما ينفك يترافع وينافح عن مشروعية الحق المغربي، دولة وشعبا، ويقدم تحليلا جينالوجيا للمفاهيم، وتتبع المفاهيم وتحولات دلالتها في الزمن، وربط المفهوم بالوظيفة التاريخية له لا بالشعار او اليوتوبيا، فالمفهوم الذي لا يسائل شروط استعماله يتحول الى ايديولجيا، او هو عينه الايديلوجيا غير واعية بحدوده النظرية والتاريخية.

