ذ سعيد حجي
حينما تخبو في داخلك جذوة الامل، لا تنطفئ الحياة، لكنها تدخل في طور الكمون، كأنها تهيّئك لاستقبال ما لم تتصوره من قبل. في اللحظة التي تشعر فيها انك اصبحت خارج كل احتمالات الحياة، حين تصير كطائر نُزعت منه أجنحته وأُلقي به في قاع وجود غائر، فأنت لا تموت، بل تعود الى نقطة البدء: الى نفسك…
فقدان الامل ليس سوى عرض من أعراض الاستنزاف النفسي، لحظة انهيار في البنية المعنوية للذات التي طالما شُدّت الى العالم بخيوط التوقعات. لكنه ايضا، كما يرى ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق، نوع من الغفلة عن كون كل الأمور تجري بتقدير، وكل عطالة ظاهرة قد تكون في جوهرها استعدادا لبزوغ…
بين الامل والرجاء، ثمّة منطقة فسيحة لا تُرى بالعين، تُسمى القضاء والقدر . لا تسير وفق منطق الأماني، بل وفق هندسة غيبية دقيقة، تراقب حدودك القصوى، وتدفعك لتصلها، ثم تهبك ما لم تكن تتوقعه. الآية الكريمة التي تهمس بذلك تقول: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. هذا “الخير” لا يُفهم الا عند تجاوز محنة التوقّع الضيّق…
حين تنفصل تماما عن رجاءك الذاتي، يُولد الرجاء الأعلى. وهذا الانفصال، رغم قسوته، هو تمرين على التخلّي الذي يسبق التجلي. فكل شيء في هذا الوجود، كما في فلسفة الاستطيقا الوجودية، قائم على مبدأ الانكشاف بعد الحجب. واذا كانت الحياة تبدو متوقفة، فإنها في العمق تعيد ترتيب عناصرها لكي تفتح لك نافذة من حيث لا تدري…
كل شيء محكوم بنظام سببي، لكن هذا النظام لا يتجلّى إلا للذي يُبقي داخله يقظا. حين تفقد عملك، أو تفتقد الشفاء، أو تُصاب بخواء روحي، فتذكّر أن هذه الفراغات ليست ضدك، بل هي الفضاء الذي يتسع فيه حضور العطايا غير المتوقعة…
الانسان لا يُبتلى ليُعاقب، بل يُهزّ من الداخل لكي يتزن من جديد. الازمات ليست نقيضا للنعم، بل جسرا نحو إدراكها. ولهذا فإن فقدان الامل ليس النهاية، بل مجاز وجودي يجبرك على إعادة كتابة ذاتك من الداخل. حين لا يعود فيك شيء يقاتل، يولد فيك شيء آخر لا يُهزم: التسليم…
وهنا، في مساحة التسليم هذه، تبدأ بوصلة القضاء في الاشتغال. يقودك الحدس، لا العقل. تقودك الدعوة الخافتة التي ترتفع من قلبك، لا الخطة المحكمة. وما أن تتهيأ، حتى يتحقق القدر، في لحظة عابرة، بسيطة، لكنك تشعر بها وكأنها ارتقاء وجودي كامل…
البحث عن الذات لا يكون في الإنجاز فقط، بل في اللحظات التي نظن فيها اننا سقطنا. ففي هذه السقطة، تنبت البذور الأولى لنهضة جديدة. ومن يدرك هذا، سيعرف أن كل محنة كانت فعلا، دعوة سرية للصعود…
فلا تفقد الامل، لأن المعنى لا يموت، بل يتخفى. ينتظر أن تنضج، أن تسأل، أن تقترب من جوهرك. وعندما تفعل، تكتشف انك لم تكن تنتظر شيئا من الخارج، بل كنت تنتظر صحوتك….

