ذ سعيد حجي
حينما تضع رأسك على الوسادة وانت تستعد للنوم، ذلك الموت المؤقت، ذلك الغياب القصير عن هذا العالم الصاخب، فأنت لا تدخل في مجرد راحة ، بل تدخل التمرين الأعمق على الرحيل…
كأن الجسد، في حكمته الغريزية، يربّي روحه على أن تفهم ما سيحدث يوما، دون ضجيج، دون مقاومة…
النوم ليس مجرد عادة بيولوجية كما نعتقد ، بل هو طقس كوني، تذيب فيه الذاكرة حضورها، ويصفد فيه الوعي طواعية، ليبقى الجسد في حالة فناء جزئي، فناء يدرّبنا كل مساء على الفناء الكامل الذي لا رجوع منه،الموت …
في النوم، نحن لا نغيب فقط عن العالم، بل نعلق هويتنا.
لا تعود لنا أسماء، ولا ملامح، ولا تاريخ، ولا لغة… نحن فقط “كائن نائم”…
وهذا التجريد القاسي، هو أقرب ما يكون إلى الموت، حيث تتوقف جميع تعريفات الذات، وتذوب الحدود بينك وبين كل شيء.
لو لم يُخلق النوم، لتحول الإنسان إلى كتلة من الانهيارات، لأنه من منظور علم النفس العصبي، الدماغ يحتاج النوم ليعيد ترميم نفسه، ولتفريغ شحنات الوعي المتراكمة.
لكن ما وراء الوظيفة البيولوجية، هناك بعد آخر، أكثر غموضا، وأكثر عمقا… النوم هو “الغياب المحسوب”، غياب يسمح بعودة الوعي مشروطا. وفي هذا، تتجلى إحدى مفارقات الوجود: نحن نحيا من خلال الانقطاع.
حين نموت، لا نُمنح خيار العودة. لكن حين ننام، نمارس الموت بنسخته الرحيمة…
وإذا كان الموت “قَطعا نهاية حياة “، فالنوم “هدنة مع الحياة”، لكنه هدنة تشبه الموت بدرجة مقلقة…
دوستويفسكي، الغارق دائما في تأملاته حول الموت والجنون، لمح مرة أن “النوم هو أعظم خيانة يرتكبها الجسد ضد الروح، لأنه يسلبها صوتها”….
في كل ليلة، تستسلم أجسادنا طوعا للمجهول… نغلق أعيننا، ولا نعرف أين نذهب.
وهذا الخضوع الغريزي للغياب، فيه عمق فلسفي رهيب: نحن لا نثق بالحياة، لكننا نثق في النوم!
نثق أن الغياب مؤقت، وأن الوعي سيعود، رغم أنه لا أحد يضمن ذلك.
ما يخيف أكثر، أن في النوم لا نستطيع الكذب.
حتى أحلامنا، تكشف قلقنا الداخلي، رغباتنا المكبوتة، مآسينا القديمة… إنه المرآة التي لا تتزين.
لهذا فالنوم – كما يقول كارل يونغ – هو “انكشاف النفس أمام نفسها، دون أقنعة”. وكل انكشاف مؤلم، لأنه ينزع قشرة الوهم، ويضعنا أمام حقيقتنا العارية.
وجوديا ، النوم هو تحرر مؤقت من الزمن.
لا نعرف كم نمنا، ولا كم حلمنا، الزمن يتوقف…
وفي التوقف، نفهم هشاشتنا: أن الزمن لا يحتاجنا كي يستمر، لكننا نحتاجه لنشعر أننا أحياء…
الفيلسوف هايدغر يميز بين “الوجود من أجل الموت” و”الوجود الزائف”، والنوم يمثل في سياق هذا المفهوم محاولة يومية لتذوق “الوجود من أجل الموت”، لكن بلغة هادئة…
إنه يربينا، كل ليلة، على القبول، على التلاشي، على أن نُفلت قبضتنا عن هذا الجسد الذي نتوهمه أبديا…
ولذلك جاءت الآية: “الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى”. آية تتجاوز المعنى التعبدي، وتفتح سؤالا فلسفيا رهيبا: من يقرر أن تستيقظ غدا؟
أي سلطة خفية ترجعك إلى جسدك كل صباح، بينما غيرك لم يُسترجع؟
في هذا السؤال تكمن الفجوة بين الغفلة والوعي.
النوم كطقس جماعي، أيضا، يشكل مشهدا اجتماعيا غريبا. مدينة نائمة تعني مدينة علّقت الوعي الجماعي، مدينة تسلم نفسها للصمت، وكأنها تقرّ أنها لا تستطيع المواصلة بلا فاصل.
هذا الفاصل هو سر بقاء البشرية، لأنه يمنع انهيار الذات في رتابة الاستمرارية…
ننام لنحمي أنفسنا من أنفسنا. ننام لأن الحياة تحتاج موتا مؤقتا، لأن العقل، حين يتضخم، يصير كارثة.
النوم إذن، هو الحد بين الجنون والبقاء، بين الاستفاقة والانهيار، بين الحضور والغياب.
هو درس متجدد، يعلمك أنه لكي تستمر، يجب أن تموت قليلا… أن تنسحب، أن تصمت، أن تغيب.
ربما، لو لم يُخلق النوم، لانتحر الإنسان من كثرة الحضور.
وربما، كل موت حقيقي… يبدأ بنوم لم نستيقظ منه…
كل ليلة، حين تنام، تدرب نفسك على الرحيل… فاجعل من نومك تأملا، لا هروبا…
لأن الموت، حين يأتي، لن يُمهلك دقيقة لتتأمله…

