سعيد حجي
بكل هدوء، كانت المرأة المسنّة تجلس في زاوية السوق، لا تملك من الدنيا سوى دجاجة تحتضنها في قفة صغيرة، وكأنها آخر ما تبقى لها من معنى. كان جسدها منحنيا، وصوتها لا يكاد يُسمع، لكنها جاءت، كغيرها، لتبيع شيئا… لا لتكسب، بل لتكمل دواء الروماتيزم الذي لم تعد تتحمله. لم تكن تطلب الكثير، فقط بعض الدراهم مقابل دجاجة قضت عمرها تطعمها الفتات وتخبئ لها بقايا الطعام.
فجأة، كأن العالم كله قرر أن ينقلب عليها، أفلتت الدجاجة وهربت بين الأرجل، بين خضروات السوق وأكوام البلاستيك، لتبدأ تلك المطاردة غير المتكافئة بين الكبر والفرار، بين الزمن والسرعة. خطوات المرأة ثقيلة، كأن الأرض تعاندها، وعيناها تتبعان الدجاجة بجزع الأم التي فقدت طفلها.
حاول بعض المارة الإمساك بها، لكن الدجاجة كانت أسرع، أكثر حرية، أكثر جنونا. أما هي، فقد كانت تحاول أن تحافظ على كرامتها، على ما تبقى لها من وقار السن، لا تبكي، لا تتوسل، فقط تتابعها بعينين مشبعتين بالخذلان.
حين تعثرتُ أنا أيضا، كأني شاركتها السقوط. ليس سقوط الجسد بل سقوط المعنى. لقد رأيتُ في عينيها ألما لا تقوى عليه الجبال. كانت تبحث عن مخرج خلف السور لتتسلقه، تتوغل وراءه، تفتش في الخراب عن دجاجة هاربة، عن قيمة، عن ما بقي لها لتقاوم به يومها.
لقد كانت تصعد فوق حجرين متهالكين، تحاول التسلل من بين الجدران، قبل أن تسقط على الأرض، بأصابع دموية. كان ذلك السقوط، في عمقه، ليس نتيجة انزلاق الجسد بل انكسار الكرامة. امرأة في آخر العمر، تهرب منها الحياة كما تهرب منها دجاجتها، وتبقى هي في المنتصف، بلا حول، بلا سند.
هذه اللحظة العابرة، كأنها تصرخ في وجوهنا جميعا: كم من امرأة مسنّة تركناها تركض خلف ما تبقى لها؟ كم من كرامة دهسناها دون أن نشعر، فقط لأننا مشغولون عن الألم بتمرير الوقت؟
في علم الاجتماع، يعتبر بيار سانسوت أن “الفقر الحقيقي لا يُقاس بعدد الفُرُش في البيت، بل بعدد الأبواب التي تُغلق في وجه من لا يطلب شيئا.”
إن هذه المرأة لا تريد صدقة، ولا خطابا حماسيا، بل نظاما اجتماعيا يحمي ضعفها، يغنيها عن الركض، يعفيها من التسوّل الصامت. هذه المرأة ليست استثناء، بل صورة مصغّرة لمجتمع لم يتصالح بعد مع فكرة الكرامة.
ربما كانت دجاجتها هاربة، لكنها تركت لنا درسا لا يهرب: أن المجتمع الذي يخذل أضعفه، هو في الحقيقة يخذل نفسه. أن الحضارة لا تُقاس بالمباني ولا بالتطبيقات الذكية، بل بمدى رهافة القلب في أبسط الزوايا، في عين امرأة فقدت آخر ما تملك، وواصلت السير.
إنها لحظة عار مشترك. وحين نصمت عن العار، يتحول إلى عادة.
كما قال الفيلسوف لاسلو فالغنر:
“أخطر ما في المجتمعات ليس القمع، بل تعوّد المظلوم على القمع وكأنه قدر لا يُرد.”
فلنُعد النظر، لا في القوانين فقط، بل في هندسة الرحمة داخلنا.

