عبد اللطيف شعباني
لقد صدر كتاب “الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة” للمفكر الفرنسي أوليفييه روا، ليضع القارئ أمام واحدة من أبرز ظواهر العصر: عودة الدين بقوة، لكن في صورة مختلفة عمّا عرفه التاريخ.
يرى المفكر الفرنسي روا أن الأديان عبر القرون كانت متجذرة في ثقافات الشعوب. فالإسلام في المغرب يختلف عن إسلام إندونيسيا، والمسيحية في أوروبا ليست كالمسيحية في أمريكا اللاتينية. الدين كان يعيش من خلال العادات والتقاليد، ويمنحها بدوره معنى روحيًا.
لكن مع العولمة، وانتشار الهجرة والإنترنت، أصبح الدين يظهر بشكل “مجرّد” عن الثقافة المحلية. فالمؤمن اليوم قد يتبنى نصوصًا وشعارات دينية عالمية، دون أن تكون مرتبطة بتراثه أو بيئته. هكذا ظهر ما يسميه روا “الدين الصافي”، الذي لا يعترف بالعادات بل يركز فقط على النصوص والطقوس.
هذا التحول، حسب المؤلف، فتح الباب أمام الأصولية، حيث تسعى جماعات متشددة إلى فرض فهم واحد “نقي” للدين، وتهاجم الموروث الثقافي للشعوب. وفي الوقت نفسه، أصبح الدين في كثير من الحالات مجرد هوية سياسية، أكثر من كونه تجربة روحية أو أخلاقية.
يخلص روا إلى أن ما نعيشه اليوم هو “إيمان منزوع الثقافة”، أي دين بلا جذور حضارية، وهو ما يصفه بـ “الجهل المقدس”: جهل بالتاريخ والتنوع، لكنه يُقدَّم في صورة مقدسة مطلقة.
تعــود تسمـية “الجهل المقدس” إذن إلى الكاتب الفرنسي، أوليفيه روا، الذي حدد تجلياته في ما نشهده من غسيل للأدمغة، عبر تمرير الخطاب الديني مباشرة من دون توسط المعرفة والثقافة. وفي رغبة المرء الوصول إلى الحقائق الدينية، من دون تعمق وإعمال للعقل والوقوف على ظاهر الأشياء. كما بلغ هذا المفهوم مداه، بتحوله إلى شك وارتياب في المعرفة الدينية، وهذا شك لاعلاقة له بالشك المنهجي المرتبط بالتفكير العقلاني، إذ أصبح كل من هب ودب يحلل ويحرم وفق هواه، ولعل الحاضنة الفكرية /الاجتماعية الكبيرة التي يحظى بها الإرهاب خير دليل على ذلك.
وفي المقابل، يتحدث الدكتور محمد أركون عن مفهوم ”الجهل المؤسس” المرتبط بالنظام التربوي العقيم في المدارس والجامعات العربية الذي ساهمت مناهجه وبرامجه في تغييب العقل وإنتاج منظومة قيم هدامة كالتطرف والتعصب والانحراف، ما زاد من تعميق مأساتنا، فلم نتمكن من مواجهة مشكلاتنا الداخلية، ولا من مواجهة التحديات الخارجية التي فرضت علينا طوقاً من الحصار المعرفي، وذهبت كل محاولات الإصلاح في التعليم أدراج الرياح.

