ملحمة 20 غشت بوادي زم ضد المستعمر الفرنسي

عبد اللطيف شعباني

تعد ملحمة 20 غشت 1955 بمدينة وادي زم واحدة من أعظم محطات المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث امتزج فيها الوفاء للعرش بالنضال من أجل الحرية، لتصبح رمزًا لتلاحم العرش والشعب.

بعد نفي المغفور له الملك محمد الخامس وعائلته إلى مدغشقر سنة 1953، اندلعت في مختلف ربوع المغرب موجات من الغضب الشعبي، خاصة وأن نفي السلطان الشرعي مثّل اعتداءً على سيادة الوطن ورمز وحدته. وفي مدينة وادي زم، ذات الطابع المنجمي والعمّالي، تزايدت حدة المقاومة بفعل وعي السكان واستعدادهم للتضحية.

في يوم 20 غشت 1955، في الذكرى الثانية لنفي الملك محمد الخامس ، قرر المقاومون تنظيم هجوم واسع على المراكز الاستعمارية والرموز الفرنسية بالمدينة. شارك في هذه الانتفاضة رجال ونساء من مختلف الأعمار، مسلحين بأسلحة بسيطة وأخرى بيضاء، حيث باغتوا المستعمر في أماكن تمركزه.

جاء الرد الفرنسي عنيفًا للغاية، باستعمال الطائرات والدبابات والمدفعية، وارتكب الاستعمار مجازر رهيبة ذهب ضحيتها أكثر من ألف شهيد، إضافة إلى اعتقالات جماعية وحرق أحياء بكاملها.

رغم الثمن الباهظ، كانت انتفاضة وادي زم حدثًا مفصليًا هزّ أركان الاستعمار، وأثبت أن الشعب المغربي مصمم على مواصلة الكفاح حتى استرجاع سيادته. كما عجّلت هذه الملحمة بمسلسل المفاوضات التي انتهت بعودة الملك محمد الخامس من المنفى وإعلان استقلال المغرب سنة 1956.

لقد شارك أبناء وادي زم بكل شجاعة واقدام في معركة التحرير والاستقلال مسترخصين الغالي والنفيس في سبيل عزة الوطن وكرامته مدافعين عن مقدساته وثوابته وهويته، مستنكرين إقدام السلطات الاستعمارية على فعلتها الشنيعة في 20 غشت 1953 بنفي بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراهما وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، ومتصدين بكل استماتة لهذه المؤامرة الدنيئة التي كانت الإقامة العامة تستهدف منها المس بالعروة الوثقى التي تربط العرش بالشعب وإخماد جذوة الروح الوطنية المتأججة في نفوس المغاربة.
وهكذا، وقف أبناء المنطقة الصناديد وقفة رجل واحد معلنين انخراطهم التام والفاعل في العمل الفدائي مبادرين إلى تأسيس العديد من الخلايا السرية التي كانت تخطط وتنفذ العمليات الفدائية مستهدفة مصالح ومنشآت المستعمر ومسجلين مشاركتهم الفعالة في الانتفاضات الشعبية التي شهدتها المنطقة وفي طليعتها ثورة 19 و20 غشت 1955 التي تزامنت والذكرى الثانية لنفي بطل التحرير والاستقلال ، فانتفضوا في حماس قل نظيره نساء ورجالا شيبا وشبابا ، هاتفين مرددين شعارات المطالبة بالاستقلال وبعودة رمز الأمة من المنفى إلى أرض الوطن ، غير آبهين بالتدخلات العنيفة والوحشية لجيش الاحتلال الذي جند كل إمكانياته من جنود وعتاد عسكري لتفريق المتظاهرين، الذين سقط منهم عشرات الشهداء ملبين نداء ربهم وهم في ساحة الوغى يدافعون عن وحدة واستقلال الوطن ومئات الجرحى والمعتقلين، الذين عانوا الويلات من مختلف أشكال التنكيل والتعذيب التي ورغم بشاعتها لم تنل من عزيمتهم حيث ظلوا سائرين على درب النضال حتى تحقق النصر المنشود بفضل ذلك الالتحام الوثيق بين العرش والشعب ، وقوة وصمود المقاومة المغربية التي استلهمت كل مقوماتها من قائدها ورائدها الذي آثر أهوال المنفى وشدائد الإبعاد على أن يخضع لأهواء المستعمر الغاصب.
وفي خضم هذه الأحداث واستمرارا في السير على درب النضال تعزز هذا المسار الكفاحي بانطلاق عمليات جيش التحرير في غمرة ثورة عارمة كان النصر حليفها عجلت بالعودة الميمونة والمظفرة للملك المجاهد الابي جلالة المغفور له محمد الخامس بمعية رفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني والأسرة الملكية الشريفة الى أرض الوطن في 16 نونبر 1955 معلنا انتهاء عهد الحجر والحماية وإشراقة شمس الحرية والاستقلال.
وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد، ككل سنة بكل افتخار واعتزاز فصول انتفاضات ومظاهرات مدن أبي الجعد ووادي زم وخريبكة والقبائل المجاورة ، المشبعة بالدروس والعبر، والطافحة بالمعاني والدلالات، فإنها تجدد الموقف الثابت من قضية وحدتنا الترابية ، مؤكدين أن المغرب في صحرائه و الصحراء في مغربها ، فهذه هي الحقيقة الساطعة المفندة لمناورات ومؤامرات الخصوم والحسابات المغلوطة للمتربصين بالوحدة الترابية والسيادة الوطنية، و ستظل بلادنا متمسكة بروابط الإخاء وحسن الجوار والدفع في اتجاه بناء الصرح المغاربي وتحقيق وحدة شعوبه، إيمانا منها بضرورة إيجاد حل سلمي واقعي ومتفاوض عليه لإنهاء النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.