بقلم الشاعر محمد السعداني
عند عتبة العنوان يقف القارئ مترددًا، يتأمل هذا السؤال الذي لا يُنتظر له جواب: “أي صخبٍ يطارده صمتي؟”. ليس مجرّد تساؤل عابر، بل صرخة هادئة تُطلقها الذات الشاعرة من عمق ارتباكها الوجودي، حيث يتحوّل الصمت إلى فعل مطاردة، والصخب إلى هدفٍ هشّ رغم ما يوحي به من جبروت.
بين دهشة التعجب التي تُربك السائد، وبداهة الاستفهام التي تسكن في كل لحظة شعرية في الديوان، تتشكّل البنية الجمالية لتجربة علال حبيبي. فالشاعر لا يكتب من موقع الجواب، بل من موقع القلق، من منطقةٍ تتقاطع فيها الحيرة بالتأمل، والبوح بالصمت، والكلمة بما لا يُقال.
فالديوان ينبني على ثنائية مركزية تُحرّك أغلب نصوصه: ثنائية الصخب والصمت. وهنا لا نتحدث عن تقابلٍ سطحي بين الصوت والسكوت، بل عن توتّر وجودي يتغلغل في نسيج الكتابة. فالصخب لا يأتي دائمًا بصيغة جماعية صاخبة، بل قد يتمثّل في ضجيج داخلي، في ارتباك الشعور، في ثِقل الأسئلة التي تُطارِد الشاعر. وفي المقابل، لا يظهر الصمت بوصفه انسحابًا أو خواءً، بل يبدو كما لو كان موقفًا شعريًا وفلسفيًا، بلغة أقرب إلى التأمل منها إلى الخطابة. فالصمت هنا ليس نقيضًا للكلام، بل هو شكله الأرقى، حيث تُقال الأشياء من تحت اللغة، لا عبرها.
أما من حيث اللغة، فاللغة في هذا الديوان ليست أداة، بل كائنٌ حيّ، ينبض ويتعثّر ويتنهّد. لا تسير القصائد على نسق واحد، بل تتنوع بين الإيقاع الداخلي الهادئ، والتكثيف المجازي، والانزياحات التي تحمل القارئ من الدلالة المباشرة إلى مناطق رمادية تتطلب قراءة ذهنية وروحية في آنٍ واحد.
يستخدم حبيبي الضمير الذاتي بكثافة، لا ليحتمي به، بل ليكشف هشاشة الذات الشاعرة في مواجهتها للعالم. إنه يكتب كما لو أنه يعترف، وكما لو أنه يُنصت لصوت داخلي، يعلو حينًا وينكفئ حينًا آخر.
وإذا عرجنا إلى النصية: في المتن الشعري نجد في كثير من المواضع أن القصيدة لا تبدو مجرد نص أدبي، بل تأخذ شكل الشهادة الشعورية. الشاعر لا يصف العالم، بل يرصده من الداخل، في لحظة تصادم بين ما يحدث خارجًا وما يتموج داخلاً. هذه الكتابة لا تهدف إلى إنتاج إجابات، بل إلى تثبيت لحظة السؤال، كما لو أن الشعر نفسه مساحة مقدسة للشك والدهشة.
وحتى أكون أمينا فديوان “أي صخبٍ يطارده صمتي؟” يقدم تجربة شعرية تنتمي إلى منطقة الهامش الجوهري؛ الهامش الذي تندمج فيه الذات باللغة، ويذوب فيه المعنى في تعدديته وتوتره. إن علال حبيبي لا يكتب من أجل أن يُطمئن القارئ، بل ليوقظه، ويمنحه نصوصًا تُقرأ بالقلب كما تُقرأ بالعقل.
إنه ديوان يستحق التوقف عنده لا لما يقوله فقط، بل لما يصمت عنه أيضًا. ففي نهاية المطاف، لعل أقوى ما في هذا الديوان أنه يعلّمنا الإصغاء، لا إلى الصخب، بل إلى ما يطرُده الصمت… أو يطارده… و إلى ما يجترحه الألم من رغبة في الصمود والوقوف على نزف الجرح ليصير عكازا للأمل ومنطلقا للتحدي والصمود…
ولي عودة إلى الديوان من أجل قراءة تحليلية أعمق…

