ذ / سعيد محتال
يشكل الرمز عنصراً مركزياً في بناء النص الشعري الحديث، لما يوفره من إمكانات إيحائية تفتح المعنى على احتمالات متعددة.(1) وتُعدّ صورة “ثوب الزفاف” في قصيدة تلة الأحلام نموذجًا جماليًا معبّرًا عن التقاء الرمز بالحالة النفسية والوجودية. إذ يتجاوز الثوب معناه الظاهري ليصبح مرآةً تعكس أعمق ما في الذات الشاعرة من تطلعات وانكسارات.
في نص “تلة الأحلام” تحمل صورة “ثوب الزفاف” بعدًا رمزيًا غنيًا يتجاوز المعنى السطحي للزفاف أو الفرح، “ثوب الزفاف” قد يكون رمزاً للأنوثة المقموعة، حيث تتحول طقوس الفرح (الزفاف) إلى طقوس موت (التابوت). هذا يتقاطع مع كتابات نازك الملائكة عن تشظي أحلام المرأة في الشعر الحديث. لتتحول الشاعرة إلى أيقونة للأمل الإنساني النقي، ولتجسّد الأحلام التي تنسجها الذات الشاعرة بخيوط من الأمل والأمنيات الطفولية. فالألوان المختارة لتطريز الثوب: الأصفر النوراني، الأزرق السماوي، والأخضر المخملي ليست مجرد ألوان، بل رموز تحمل دلالات نفسية وروحية. الأصفر يوحي بالضياء والدفء، الأزرق يمثل الصفاء والانفتاح، أما الأخضر فيرمز للنماء والسلام الداخلي. هذه اللوحة اللونية ترسم صورة لأحلام نقية حالمة، لا تزال تعيش في عالم مثالي لم تلوثه خيبات الواقع.
هذا يتقاطع مع مقولة عبد الله الغذامي حول “التجميل الرمزي للذات كوسيلة لمقاومة الخواء الوجودي” (2) (الغذامي، 1993، ص 78).
لكن غياب هذه الألوان لاحقًا، وورود عبارة “الستائر السود”، يشير إلى فقدان النقاء وتحول الحلم إلى كابوس.
كما أن تكرار عبارة “على تلة الأحلام” ليس مجرد إطار مكاني، بل يُشكّل إيقاعاً دائرياً يُذكّر بحركة الذات بين اليقظة والحلم. هذا التكرار يُعزّز شعوراً بالحَبس داخل فضاء الأحلام، بينما التحولات الدرامية (من الثوب إلى التابوت) تكسر هذا الإيقاع، مما يعكس صدمة الانهيار.
– مثال: “جلستُ أطرز… صار ثوب زفافي مئزراً” يُظهر تقابلاً إيقاعياً بين هدوء الطرز وعنف التحول.
لتتحول فجأة الصورة الشعرية من الحلم إلى الكابوس، من البهاء إلى القسوة، عندما يتحول “ثوب الزفاف” إلى “مئزر لطلقات العابثين” . هنا تبرز قوة الصورة الشعرية في التعبير عن التمزق الداخلي وانهيار الحلم تحت وطأة العنف أو اللامبالاة أو القهر الخارجي. العابثون بعبثهم لا يقتلون فقط الحلم بل يشوهون رموزه، فالثوب – رمز الطهر والبدايات الجميلة – لم يُمزّق فقط، بل أُهين بتحويله إلى أداة في مشهد عبثي عنيف.
هذا التحول الرمزي يمكن فهمه على أكثر من مستوى:
1. الرمز الشخصي: الثوب يمثل الذات الشاعرة نفسها، أو أنوثتها، أحلامها التي رُسمت بتؤدة وحنين، لكنها انتهكت. إنه الإيذاء الذي يُلحق بالنفس عندما تتعرض الأحلام للخذلان أو عندما تُسحق تحت وطأة قسوة المجتمع.
2. الرمز المجتمعي: الثوب يمكن أن يمثل أحلام أمة، وطنًا أو جيلاً من الشباب الحالم، ينظر إلى الحياة بألوان زاهية، لكنه يصطدم بعنف السلطة، أو بواقع سياسي واجتماعي قاسٍ. التحول من الفرح إلى الموت (مرورًا بكلمات مثل “التابوت” و”جمجمة قديس”) يوحي بأن الحلم لم يُحطم فقط، بل دُفن.
3. الرمز الوجودي: قد يرمز الثوب أيضًا إلى تجربة إنسانية عامة، حيث تبدأ الحياة بوعدٍ جميل (ثوب الزفاف) وتنتهي غالبًا بمأساة أو فقد، خصوصًا حين يتسلل العبث إلى عمق التجربة الإنسانية، فيُحول الطهر إلى خراب، والأمل إلى جراح.
في نهاية المطاف، فإن الشاعرة، من خلال هذه الصورة الرمزية، لا تصف فقط حدثًا شعريًا، بل تقدم رؤية فلسفية للعالم: الحلم ممكن، لكنه هش، وجمال الحياة قابل للتشويه، لا بفعل الموت وحده، بل بفعل العبث الإنساني، وانهيار القيم، وخيانة البراءة. كون النص لا يروي فقط تجربة شاعرية، بل يكشف عن عالم داخلي مأزوم، يتقاطع فيه الحلم والصدمة، الأمل والانهيار، الذات واللاوعي.
“جلست أطرز ثوب زفافي بالأمنيات..”
الثوب هنا يمثل هذه الذات المتخيلة المثالية، والجلوس لتطريزه يعكس رغبة في تجميل الذات عبر التخيل والرمزية.
واستحضار الذكريات بصورة شقراء “معتقة” هو تفعيل للاوعي الفردي، حيث يتجلى الماضي كمصدر للحلم والحنين، لكنه سرعان ما ينقلب.
الذكريات المعتقة قد تمثل جزءًا من الظل، الشيء الذي يجعل بعض مقاطع النص يحمل رغبة نفسية في السيطرة على الحياة، كنوع من الدفاع ضد الفوضى النفسية أو الصدمة كما هو الشأن في هذا المقطع:
“نسجت سيرتي..
أنا السارد.. أنا البطل..
محرك الدمى..”.
المتكلم في النص هو شاعر(ة)/راوٍ ذاتي، يتحدث بصيغة المتكلم “أنا”، ويبدو أنه شخصية حالمة، متمردة، تصوغ مصيرها بيدها، وتصنع سرديتها الخاصة في عالم متخيّل أو رمزي، هو “تلة الأحلام”. تصريح مباشر بأن المتكلمة ترى نفسها كاتبة السرد وبطلته معًا، وهذا يرفع من حضورها الذاتي كمهيمن على النص.
أما تناوب ضمير “أنا” (السارد/البطل) مع ضمير الغائب (قريني) يكشف عن انفصام الذات بين الحلم والواقع.
“بيدي ريشة جالوت..
وشمت على ثوبي دبوسا”
جمع بين الضآلة (الريشة) والعنف الأسطوري (جالوت)، مما يوحي بتناقض الذات بين الهشاشة والتمرد.
صور تعزز من حضور المتكلم كقوة فاعلة، ربما حتى أسطورية. ليس بالضرورة أن يكون المتكلم “شخصًا حقيقيًا” داخل النص، بل هو يمثل الذات الإنسانية في صراعها بين الحلم والواقع، وبين السلطة والعبث، وبين الأمل والدمار، إذ تعكس الشاعرة هنا رغبة نفسية في السيطرة على العالم الداخلي بعد أن بدا الواقع عاجزًا عن احتوائها. يتجلى ذلك من خلال آليات الدفاع النفسي المعروفة مثل ” الإنكار والتعويض”، وفقًا لمفاهيم كارل يونغ، حيث يعيد الفرد تشكيل الواقع برموز قادرة على إعطاء الذات وهم التحكم (3)
كمحاولة لتجاوز واقعها المكسور بخلق سرد بديل.
“البستها التابوت..
لما أعلن الموكب موعد الصلاة..”
هنا تبدأ النكسة النفسية: الانتقال من الحلم إلى المواجهة مع الموت، الفقد، أو الهزيمة. حيث تنقلب أيقونة الحياة (الثوب) إلى رمز للموت (التابوت)، ويظهر جليًا الصراع بين الذات الحالمة والواقع القاسي. هذه النقلة تنسجم مع ما يسميه جابر عصفور بـ”التحول الدلالي للصورة من النعيم إلى الجحيم” (4) (عصفور، 1992، ص 138).
“وشمت على ثوبي دبوسًا..
وعلى كف قريني.. جمجمة قديس..
صار ثوب زفافي مئزرا لطلقات العابثين..”
“جمجمة قديس”: الانزياح هنا يجمع بين المقدس (القديس) والانتهاك (الجمجمة)، مما يعمق فكرة تدنيس البراءة.
الثوب في الثقافة العربية مرتبط بالعارض (يُظهر ويُخفي)، فتحويله إلى “مئزر” (قطعة قماش مهينة) يشير إلى انتزاع الهوية والكرامة.
“مئزر لطلقات العابثين” قد يُقرأ كرمز لانتهاك جسد الأنثى الرمزي تحت عنف الذكورة أو السلطة.
فتبلغ الأزمة ذروتها حين يتحول رمز النقاء إلى أداة للخراب والانتهاك. فالثوب لم يُمزق فقط، بل أُهين بتحويله إلى مئزر لطلقات العابثين. إنها لحظة تشويه للحلم، وتحطيم للذات ورموزها المقدسة، تتوافق مع تحليل يونغ لمفهوم “تحطم المعنى الرمزي وانفصال الذات عن صورها المثالية” (5)
الشاعرة لا تفقد فقط حلمها، بل يتحول الحلم ذاته إلى أداة للموت. هذا يعكس صراعًا داخليًا بين الأنا والواقع العدواني.
تسعى إلى العودة إلى حالة السكون، الانهيار، أو الانفصال عن الألم.
“جمجمة قديس” قد ترمز كما عند كارل يونغ إلى تحطم المعنى، أو انفصال الذات عن رموزها المقدسة، وهي علامة على انهيار النفس أمام قوى تتجاوزها.
في النهاية، فإن الشاعرة من خلال صورة “ثوب الزفاف” لا تقدم وصفًا شعريًا لحلم، بل تؤسس لرؤية فلسفية عن هشاشة الأمل، وقابلية الحلم للتشويه. إنها رحلة نفسية من الحلم إلى الصدمة، من التخييل إلى الانهيار، يكشف فيها النص عن صراع داخلي مأزوم، بين الذات واللاوعي، بين الرغبة في الحياة والخوف من الفقد.
ليتجسد ثوب الزفاف كرمز شعري مكثف، يتحول من كونه حلمًا طفوليًا إلى كابوس وجودي، في تجسيد عميق لانكسار الإنسان في عالم لا يحمي أحلامه.
فنحن أمام رحلة داخلية نفسية تبدأ بالحلم والتمنّي، وتتصاعد في وهم السيطرة، ثم تنهار فجأة بفعل الواقع أو اللاوعي المقيد. الثوب – الذي يبدأ كرمز للذات الحالمة – ينتهي كرمز للخسارة والتدمير. إنه تجسيد شعري لانهيار الدفاعات النفسية، وظهور صدمات مكبوتة.
(1)و(4)جابر عصفور. الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي. الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.
(2) عبد الله الغذامي. الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية. المركز الثقافي العربي، 1993.
(3)كتاب علم النفس التحليلي عند كارل جوستاف يونغ: دراسة ومعجم، محمد عنالي، منشورات مؤسسة هنداوي، 2023
– يمكن الرجوع أيضا إلى كتاب الإنسان ورموزه. كارل يونغ، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات، 1986.
(5) يونغ، 1986، ص 173.
تلة.. الاحلام..
هناك على تلة الاحلام..
جلست أطرز ثوب زفافي بالأمنيات..
هادي صفراء نورانية..
وتلك زرقاء سماوية..
وأخرى خضراء مخملية..
على تلة الاحلام..
نادمت ذكرياتي شقراء معتقة..
مشطت الأرصفة البيضاء..
وكل الفجاج الضيقة..
إلا من صرير النواقيس..
اشرعت كل المداخل..
رسمت على محيا الزمان ابتسامة..
ازلت عنه الستائر السود..
البستها التابوت..
لما أعلن الموكب موعد الصلاة..
على تلة الاحلام..
نسجت سيرتي..
انا السارد.. أنا البطل..
ممشوق الهامة..
وباقي الشخوص عرائس..
انا.. محرك الدمى..
بيدي ريشة جالوت..
وشمت على ثوبي دبوسا..
وعلى كف قريني..
جمجمة قديس..
على تلة الأحلام..
اندلق مني قوس قزح..
صار ثوب زفافي مئزرا..
لطلقات العابثين..
الشاعرة عتيقة هاشمي
المغرب

