من إنجاز : ذ سعيد محتال
كثيرا ما يبحث القراء عن جانب المتعة والجمال في الشعر ويتناسى الكثير منهم أنه خُلق ليكون كونيا إنسانيا ذا تأثير في أفعال وسلوكات الناس، مصداقا لقوله تعالى : (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.)سورة الشعراء:227.
موطن الاستشهاد كون الشاعر من مهامه الانتصار الى قضاياه الوطنية والدولية والإنسانية العادلة، وأن يكون إلى جانب الحق ، والدفاع عن اهله ..
كون الشعر منبعه المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن ذات تشعر بالآخر ، تفرح لفرحه وتتألم لمآسيه وأحزانه، وتستحضر البعد الإنساني في قضاياها.
الجانب الإنساني مهم في الشعر، يعكس مشاعر وأحاسيس الإنسان، ويعبر عن تجاربه وتفاعلاته مع العالم ومن حوله. ويمكن للشاعر أن يستخدم الشعر كوسيلة للتعبير عن مشاعره الداخلية، سواء كانت فرحا، أوحزنا، حب، أو غضبا. كما يمكن للشاعر أيضًا استخدام الشعر للتعبير عن قضايا اجتماعية وسياسية تهم المجتمع.
الجانب الإنساني في الشعر يجذب القارئ ويثير فيه المشاعر والتفكير، حيث يستطيع التأثير على نفسية القارئ وإحداث أثرا عميقا فيه. كما أنه من خلال قصائده يستطيع الشاعر التواصل مع الآخرين وتحفيزهم على التفكير بطرق جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للشاعر أن يستخدم قصائده لإظهار جوانب إنسانية مختلفة، مثل التضامن، التسامح، والحب. بذلك، يصبح دور الشاعر أكثر من مجرد كاتب للكلمات، بل هو رؤوف وروائي لقصص الإنسانية.
شعر أم سناء يحمل في طياته العديد من الأبعاد الإنسانية المميزة. فهو يعكس تجاربها الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها بشكل خاص ، تعبر من خلاله عن حزنها، وفرحها ، وآلامها وأملها، وغيرها من المشاعر الإنسانية العميقة.
مما جعل شعرها يمتاز بقدرته على التأثير العاطفي والروحي، وقدرته على إشاعة الوعي والتأمل في الحياة والإنسانية.
كما يعكس أيضًا القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها الناس. فهي تناقش قضايا العدالة، والحرية، والحقوق، والحرب، والسلام، والهجرة، والهوية، والانتماء، وغيرها من القضايا التي تشغل بال الإنسان، كالقضية الفلسطينية، وهاهي الشاعرة تعبر بنفسها عن تضامنها الكامل والدائم مع الشعب الفلسطيني، حين تصرح في مطلع احدى قصائدها:
” ولن نشفى من وجعك يا غزة..”.
وقد خصصت لها العديد من القصائد، نذكر منها:
– عبق الحنين، تقول فيها :
وطنٌ..
خانته العواصمُ
والعوالمُ..!
وطنٌ مسروق
وطنٌ محتل..!
ياهْ. !
ماكنت أُعيرُ
الأمكنة اهتماما
إلا حين..
غمر المكانَ الوطنُ..!
تحدثت فيها عن الحنين والاغتراب وقلة النصرة، واللامبالات بقضية شعب يعاني لوحده مسلوب الحرية ..
وعن العدالة الاجتماعية: كشعور الشاعر بظلم هذه الفئةمن الناس.
كما في قصيدة
– قوافل الشهداء،
حيث ورد فيها:
– تخضبون لوحة العودة
بالدماء..!
ترتقون وصل القصائد
في تباريح الشعراء…
ودعنا نذهب…
مدثرين بتفاصيل الغياب
أيها الشهداء…
نعانق ظلالكم
ونحن إلى عصافير أصواتكم
والموت يوزع
في كل حين الأكفان…
من بين القضايا التي اثارتها في هذه القصيدة ، مسألة الاستشهاد والنصر وعن التضحية والصبر ، والامل في العودة…
كما أثارت في بعض قصائدها مسألة الهوية والانتماء:
إذ تعبر من خلالها عن الانتماء إلى الأرض والتراث واللغة. كما في قصيدة لغتي هويتي، تقول:
شمس اللغات أنتِ
وتقويم الألسن…
بك تميزت الأمة متنا وسنداً …
جميلة القول
وبك القوم اهتدى…
معتبرة إياها لغة التباهي والتفاخر بين الأمم.
وبهذه اللغة كما تقول الشاعرة :
” نكتب لاحتضان الجمال والمحبة، لاستفزاز الصمت،للإنزياح عن عوالم الخذلان.”
وهكذا اهتدت الشاعرة بفطرتها السليمة إلى قصيدة دموع الأقحوان، تعبر من خلالها عن ألم المنفى وما يحدثه في نفس المتتبع من وجع وحسرة:
أحمل منفاي داخلي
كأيقونة الرحيل الدائم
منذ ارتكبتُ الشعر..
واقترفتُ السؤال..!
يالَعطرِ الكتابة الخرافي
يسافر بي
إلى مرافئ التاريخ
يُبعدني قليلاً
عن المقصلهْ..
ويحطُّ بي
على أشجار الأقحوان..!
يارائحة الجنون
العابقة من القصائد..
كلما أُقفلت الحدود
وضاعت الخرائط..!
كلما طُمرت أرض القمح
و الأنبياء..!
ياشجراً ..
يحترف الاحتراق
واقفاً..!
ياوردة جوريَّةً
تستحمُّ في احمرارها..
ياأيها الطالع.
وتوضح كيف تعمق الأسى وتجدر الوجع في النفوس:
تعمَّقَ الأسى
في العيون..
صارت أكثر سواداً
واتّساعاً..
ألملمُ حبر الشظايَا..!
أجمع شتات المرايَا..!
أعطر ماتبقى من الانتماء
بالبخور
والطيوب
مفعمةٌ بالكتابة
والتجربة
والخيبات..!
عاريةٌ كأشجار الخريف
أحرسُ مدنا بلا أمطار..!
أمسح دموع الأقحوان
وأراقب سماوات بلا أقمار..!
أخاف أن أموت
كعصفورة..خارج الوطن..!!
هكذا حاولت الشاعرة من خلال مجموعة من القصائد استحضار ومناقشة العديد من القضايا، ومن بين هذه القضايا:
– الهجرة واللجوء: هجرة اللاجئين القيسرية، ومعاناتهم في المنفى، حيث المشاعر الاغتراب والحزن والألم بادية في دلالات نصوصها كما هي السابقة، كما تُعبّر عن شوقهم للوطن والامل في العودة إليه..
– الحرب والسلام: ما يعكس أثر الحروب والصراعات في المجتمع، وتدعو إلى السلام والتسامح والتعايش السلمي.
هذه مجرد بعض القضايا الانسانية التي تطرقت اليها الشاعرة نجاة رجاح أم سناء ، وهناك العديد من القضايا الأخرى التي تشغل بالها، وتعكس تجاربها وآمالها. تعطر من خلال كتاباتها “ماتبقى من الانتماء بالبخور والطيوب.”
وهي بذلك تحاول كسر حاجز الصمت الذي خيم على العديد من الأقلام..

