ذ محمد نخال
يلوكُ في فمه عَلكَة، بطريقة لو رأيته لَوَلَّيْتَ منه هاربا، ولحسِبْتَه جمَلا يلوكُ شَوْكا. يقول “ولد حليمة” سائقه الخاص، أنه جَلب معه قَدْرَ كِيسِ دَقيقٍ من أجْوَد أصْنافها من بلاد الطّاليان، عندما كان في مُهمّة برلمانية، لتَمثيل الشعب، غير أنه لم يُمثل سوى نفسه، إذ قضى تلك الأيام، رُفْقة الشَّقْراوات، مُتسَكِّعا بين الفنادق الفاخرة والخَمَّارات، مُتأبِّطا أغْلى أنواع النَّبيد المُعتَّق، القِنِّينة الواحدةُ منه، تكفي لسَدّ رمَق عائلة فقيرة من خمسة عشرا نفَرا، طوال شهر رمضان، كل هذا على نَفَقة الشّعب، مُستفيدا من التّعويضات السّمينة التي يتَلقَّاها من جيوب الكادحين دافعي الضرائب.
وحكايتُه مع العَلكَة حكايةٌ ذات شُجون: إذ يُحكى والعُهدة على الرّاوي، أنه ابْتُلِيَ بها عندما كان راعيا للابقار، إذ نَصحه بها أحد الرّعاة لكونها تمْنع العطش، وتحافظ على طراوَة الفم في عِزّ الحَر.
من يومها صارت لازمته التي لا تُفارقه حتى في نومه. دخل البرلمان ودخلت معه في جيب كسْوته، وأحيانا في “قُبِّ” جِلبابه “لَبْزِيوي” عند افتتاح السنة التشريعية، إذ لم يستطع مُقاومة إدمانه عليها، رغم محاولاته المتكررة للتخلص منها.
مرة، وأثناء طرحه لسُؤال شَفوي بالبرلمان على وزير الفلاحة، حول قانون استيراد الأبقار من الخارج، نسي العلكة في فمه، وبدأ في صُنع “بالُونات” ترَدَّد صَدى فرقَعَتها بالقاعة، كهَدير الرّعد، مما أثار حفيظة الجميع.
ولشدّة ولعِه بها، كان لا ينام إلاّ وهي في فَمه، يَجْترُّها كالبقرة، وقد أضاف صخَبها إلى نغَم شَخيره، الذي احْتوى على أشهر مقامات السّمفونيات العالمية، تشُق آذان السامعين، مما جلبَ عليه غضب زوجته “خْنَاثَة” التي لم تنفَعها أكْوام القطن التي تضعُها في أذنيها، فرضختْ المسكينة أخيرا للأمر الواقع، وانسحبت مكرهة، لتنام في الغرفة المجاورة.
تبدَّلَ حاله، ولم تتبدل عادة فمه، كان كلما سُئل عن السّر في هُيامه بالعَلكة قال:
إنها تُساعد على التّخسيس، وتحافظ على الرّشاقة، وهو الذي أصبح مُربع الشكل، ككومة قَشّ من فرط الأكل.
في الأيام الأولى لبداية حملته الإنتخابية، وقف بسيارته الرباعية الدفع، قرب دكاكين السوق الأسبوعي، حيث تجمع أهل القرية، أنزل زجاج النافذة، وأطل برأسه الأصلع المغروس في جسده، كما يطل الجُرد الحذر مخافة تخطف النسور الضارية. تحسّس المكان، ثم أشار بيده مناديا “الغَزْوَاني” جاره أيام البؤس والشّقاء، والذي كان بمعية “ولَدْ حَمُّو” جالسين القُرْفُصاء أمام دكان “ولد فَطُّومَة” وقد تجمَّعا حول رقْعة “ضَامَة” وحرب ضَرُوسٌ مُستعِرةٌ بينهما، أشْعل فتيلها رِهانٌ حول من يدفع ثمن قنّينةٍ غازية من سِعة لتْرين.
هزَّ “ولد حمُّو” رأسه متَثاقلا وتساءل:
من هذا الغريب الأصلع الذي يخْطُب ودنا؟
بلا مُبالاة رد صاحبه: إنه “جويليلي” جاري أيام زمان، والذي أصبح بأصواتنا وغَبائِنا برلمانيا، ها هو اليوم وكما تراه، لا يرضى بالنزول من سيارته، ويتواضع للسلام علينا، لقد نسي (الملح والطعام) وعِشْرة الجيران، فسُبحان مبدل الأحوال. وكما يقول المثل المغربي (إلى عْطَاكْ الْعَاطِي لَا تْوَاطِي).
إنه الآن يملك أجود أنواع الثيران الهولندية، ولم يكن يملك إلا دابة جرباء، وله سائق يقود به هذه السيارة الرياضية الباذخة، بعدما كان لا يستطيع الاستغناء عن دراجتي الهوائية في قضاء أغراضه، لقد تقاسمتها معه، وما بخلت بها عليه يوما في تلبية طلباته المتكررة. حتى بقايا أسلاك مكبحها، استغله في صنع أوتار لكمانه العجيب، الذي تفنن به في عزف روائع “العَيْطة الزّعْرية”.
وها أنت تراه اليوم قد عاد يخطب ودنا بعودة الانتخابات، لعله يجد من يساعده على إكمال بناء اسطبلاته، أو شراء إطارات لعجلات سيارته الفاخرة، فإطار واحد لها، يكفي لسد حاجياتي وحاجياتك مدة سنة كاملة.
حينها ضرب “ولَدْ حَمُّو” الأرض بكلتا قدميه مزهوا وقال راقصا: “ثَلاثة وضَامَة نُوضْ على سَلامتك” لقد طحَنْتك يا “ولد بُو خْنُونة”.
قهقه “ولد فَطُّومَة” حتى بانَتْ أنيابه المكسوة بالذهب، وقال “للغَزْواني” متهكما وشامتا:
(جْمَعْ لك حَبّْ وتْبَنْ، أرَ خَلَّصْ المُونادا. )
ضرب “الغَزْوانِي” كفّا بِكَف، وقال غاضبا:
(الله يأخُدْ فيك الحَق “ياجويليلي” والله ما انْصَوَّتْ عليك).

