” في ذكرى ملحمة مدينة شهيدة “….

ذ محمد نخال

وادي زم، السمفونية الحزينة

وادي زم أيتها السَمْفُونِية الخالدة
من عَزفَ مَقاماتِك على أوْتار حَزينة
من سَبَّبَ لكِ هذا البُؤس وهذا الشَّقاء
أيُّ عازِفٍ لحَّنَ أبياتَ أشْعارك الغَزلية
لِما حَوَّلَها عُنْوَةً من غَزل عُذْري إلى رِثاء
وادي زم يا بَهِيَة المُدُن وأشْرَفها
كَفْكِفي الدَّمْع فما هَذا وقْتُ البُكاء
دَمْعُكِ غالٍ وقدْ شَقَّ عَلَي وأتْعَبني
فِداكِ نفْسي يا رَمْز الكِفاح والفِداء
كَفْكِفي الدَّمع وَقِفي وَقْفَة الشُّموخ
فأنتِ مَهد الصُّمود والفَخر والكِبرياء
أنتِ اليَوم على مَوْعد مع التّاريخ
أنتِ اليوم رمْز العِزّة والكَرامة والإباء
أيّها التاريخ رُوَيْدك، تَوَقَّف لحْظة
فأنتَ في أرْض المُقاومة والشّهداء
حَدِّثنا فحَديثُكَ ذو شُجون وأنتَ الرّاوي
حَدثنا فقد طمَسُوا الحَقيقة عن الأبناء
حَدثنا بشَغَف عن مَلحَمة أجْدادنا
كيفَ كسّروا الأغْلال وحَرَّروا السُّجناء
حَدثنا كيف حَطّموا غَطْرسة الفَرنسي
أيّها التاريخ حَدِّثنا فَكُلنا إصْغاء
اليوم سيَعُود أبْطالنا الأشاوِس
سَتُلقي أمامهم خُطبَتكَ العَصْماء
سَيَعزِفون فَرْحةً لحن الخُلود
سَيُردِّدُون أهازِيجَ البَهجة والهَناء
وادي زم أيتها السَمْفونية الحَزينة
هُنا كان “المايْسْترو” يَخْتال شامِخا
هنا كان يُردِّد تَراتيل المَدح والثَّناء
هنا رقَص الفِدائيون رقْصة الفَخر
هنا تَرادفَتْ خيْل الأبْطال العُظماء
هنا رقَصَت النِّسْوة رقْصة النَّصر
هنا أبْلى الأشاوش كلَّ البَلاء
هنا ثار الثُّوار ودَوَّنُوا مَلْحَمة الكَرامة
هنا زغْرَدت النِّساء وتَخضَّبْن بالحِناء
هنا لعْلع صَوْت البارُود وزَمْجَر
هنا كَرَّتِ الخُيول وفرَّ الأعْداء
وادي زم أيتها الشهيدة
هنا رَوى الأبْطال أرضَكِ الطّيبة دما
هنا جادُوا بأرواحِهم الزَّكية بكل سَخاء
نكَّسُوا أعْلام المُغْتَصب الظالم
هنا أعادُوا كِتابة مَلْحَمة كَرْبَلاء
وادي زم أيتها السَّمْفُونية الحَزينة
كنتِ يومَها عَروسا لا كالعَرائس
كنتِ مُختالة، كان فُسْتانكِ من بَهاء
كان عُرْسُك باذِخا
كان عَريسُك من الأشْراف النُّبلاء
كان بَطلا غيُورا
كان شَهْما، كان من العُظماء
كان المَدْعُوُون فدائيُّون
وكانت الهَدايا بنادِق في صَدْر الأعْداء
صَدى بنادِقهم شَقّ الجُدران
لعْلعَ البارُود في كُل الأرْجاء
صَهيل خُيولهم الجامِحة شَقَّ الشِّعاب
وحَوافِرُها دَكَّتْ في الوادي كل حَصْباء
ابن الرُّومية اليوم مَرعوبٌ مَدْعور
ولا عَزاء اليوم لكلِّ الخَوَنة الأذِلَّاء
أيتها الشهيدة
في يوم عُرسُكِ لاحَ نُور الصباح
في يومكِ عمَّ الضِّياء واسْتَسْلم الجُبناء
فرَّ كلُّ مُغتَصبٍ عَنيد
والنّصر والمَجد للأشاوِس الأقوياء
أيتها الشهيدة
مابكِ أراكِ اليوم حَزينة
أين عِزُّك أين زمن الرَّخاء
ما بالُ التَّجاعيد اسْتوطنتْ مُحياك
ما بالُ الحزن قد أخْفى بسْمتكِ الغَرَّاء
من أبكاكِ في يوم عُرسكِ
من مَزَّق فُستان زفَّتِك أيتها الهيْفاء
من باعَ نَصرك ورقَص رقْصة الذِّئاب
من وَزَّع غنائمكِ على الإنْتهازيين البُلذاء
من حَوّل نَصرك هَزيمة
من خانَ العَهد والوفاء
من زَوَّر التّاريخ
من خانَ دم الشُّهداء
مَدينتي التَّعيسة
أسألكِ والغُصَّة تَنْخَر حَلقي
أحَقًّا يكون المُسْتعمِر أحَنّ عليكِ من الأبناء
دَعيني أبْكي حَظك التّعيس
وإن جفَّتْ مَدامعي فلكِ دوما الوَلاء
متَى تُشرق شَمس بَهْجتك
متّى تزول الظلمة ويَسود الضّياء
أيتها الشهيدة
ما بالغْتُ في حَماستي
ما بالغتُ في نَعْيِكِ وما أطْنبْتُ في الرّثاء
حالُكِ حالِكٌ تزداد حِلكَتُه وتَعْظُم
ماعاد حفْلُكِ حافِلا وإنّما مَأثَم وعَزاء
كنت بالأمس سيِّدة المدن
حدائقكِ غَنَّاء وبساتينكِ جَواهر فيْحاء
أشْجار الثُّوت فيكِ على مَدِّ البصر
ومِسْك الليل فاحَ عِطره في الأجواء
بحيرتكُ عامرة، شُجَيْرتها ناذِرة
والنّخيلُ باسِقات عانقتِ السّماء
عيونكِ سَخِيَّة تفَجَّرت في كل مكان
وحقولك كَريمة جادتْ بالخَير والعَطاء
أسْوارُك العَتيقة شاهِدة على عَظمتك
تحكي قِصّة النّصر بكل شُموخ وإباء
وادي زم أيتها السّمفونية الحزينة
أيْنك اليوم من هذا ياشَقِيّة! واأسفاه!
بساتينُك خاويةٌ على عُروشِها جَرداء
عيونكِ جفَّت منابعها وأشْجارك ذبُلتْ
والمَجاري الصّافية قد شَحَّ فيها الماء
أسْماكُ بُحيرتك نَفَقَتْ
وأوراق التُّوت ماعادتْ فاقِعٌ لوْنُها خَضراء
دروبُكِ مُتهالٍكة حَزينة
ومعالِمُ شَوارعِك فَقَدَت كل حُسْن وبَهاء
منازلك مُبعثرة وأزقَّتُك شارِدة
والإهْمال طال فيكِ الكَثير من الأحْياء
لِما أبْناؤك بِوجُوه يَعْتَلِيها الكَدَر
لِما هُمْ عن الفَرح مُعْرِضون وبُؤساء
يا لَهَفي عليكِ أيتها الشَّهيدة
أينْ شَبابُك أيْن فُتُوَّتُك أين قُوّتُك
لِما أصابَكِ كل هذا الوَهنُ وهذا العَياء
والله ماخانَ عَهْدَك وتَنَكّر
إلا سَيّئ القَوْم شَرُّ البَلِّيَة والبَلاء
أيتها الشهيدة لا عليك!
يكفيكِ فخْرا أنّك دوما رمز للتَّحرير
يكفيك عِزّا أنك كَتبت مَلْحمتك بالدّماء
ويكفيك أنك من أوقَد شَرارة التّحرر
شرارة أدْكَى فَتِيلها الأبْرار الأوْفياء
طُوبى لكل مُناضل شَهْم كًريم
وسُحْقا لمن كان للمُسْتعمر من النُّدَماء
فالعِزَّة للأبطال الأشاوس
ولا نامَتْ أعْيُنُ الإنْتِهازيين الجُبَناء..




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.