عندما يحكم الجاهلون هذا العالم الجزء الثاني

بقلم الأستاذ محمد نخال

لطَمتْ عشْتار خَديْها وقالتْ:
– يا سيّدي كيف تَأتَّى للجَهَلة، أن يسُودُوا في هذا العالم؟ وكيفَ للشُّعوب أن تَنْصاع بهذا الجُبْن، وتسْمح بهذا الغُبْن؟
– لما لا تقُومُ ثَوْرةٌ في وجْه الطُّغيان! فمتَى اسْتُعْبِدَ النّاسُ، وقدْ ولدَتْهُم أمَّهاتُهم أحْرارا؟ وأين الحُكماء!
سكَتَ نيْرون قليلا، وبَدأ يَفْرِك لحْيَته، وينْظُر إلى الأسْفل، وكأنّما عيْناه تغُوصان في الأعْماق لاسْتِجْلاء الحَقيقة، ثُم رفَع رأسَه وقال مُسْتَنْكِرا:
– متى ثارتِ الشَّاة في وجْه الجَزَّار، ومتَى تَمَرَّد القَطيع على الرّاعي؟
– اعْلَمي يا سَيّدتي،إذا صَحَّ ماقِيل مِنْ أنَّه: ” لا يُصْلِحُ النّاسَ فَوْضى” فإنّه لا بُدَّ للجَماعة من تَنْظيم كيْ تَبْقى وتَسُدَّ حاجِياتها، وبالتالي فإنَّ كل تَشْكيل جَمْعي، هو تَشْكيل قَطِيعي، وأنَّ كل قَطيع يَحْتاج إلى رَاع، لذا وبحسَبِ هذا المَنْظور، فهَذه الشُّعوب، هي مُجَرَّد قُطْعان مُنْبَطِحَة، يَقُودها زعِيم وقائِدٌ واحِد، نتيجَة عَوالم كثيرة يَصْعُب حصْرها في جُملة واحِدة. وبالتّالي فأغلبُ هذه المُجْتمعات، الفَردُ فيها شِبْه مَيِّت، عَقْله مُسْتَريح، سِمَتُه العَطالة ومُمانَعة التَّغيير، لا يُنْتِج أفْكارا حَيّة، لتَغْيير الثَّقافة السَّائدة، بل يَلُوكُ أفْكارا تَرَسَّخَت لذيْه، تَدْعوا إلى تمْجِيد القائد وتقْدِيسه حتّى أصْبح أناهُ. وأصبح هو مُجرد هيْكَل عَظْمِيّ، يسِيرُ على الأرْضِ مَنْزُوعَ النُّخاع، ومن هُنا تتأسَّسَت السُّلطةُ بين الحاكم والمحْكوم، على أساسٍ إِلَاهِيٍّ، فالحاكم مُخْتارٌ من الله، ولهذا فهو يسْمُو على الطبيعة البشَرية، وبالتَّالي تسْمُو إرادتُه على إرادة المَحْكُومين. والمجتمعات البَشرية حَكَمَتْها نماذج كثيرة من هؤلاء الطُّغاة عبر التّاريخ، ويبْقَى “هِتْلر” أسْوأ نَمْوذج للطُّغيان، عَرَفَتْه البَشرية في العصْر الحَديث، دَجَّنَ الشَّعبَ الألماني، فتَماهَى به إلى دَرَجة الجُنُون، حتَّى أن منْ صافَحَه صُدْفَةً، صار وَلِيًّا وَأصبحَ بيْتُه مَزارا، يقْصِدُه الجِيران والعامَّة للتَبَرُّكِ به، لِمُجَرَّد أن يَدَهُ لمَسَتْ يَدَ طاغِيَةٍ، تَسَبَّبَ بغَطْرَسَتِه، ونتِيجَةً لِغَبائِهم، في زَرْع الرُّعْب في العَالم، وتسَبَّب في مَقتْلِ وتشْريد المَلايين من الأبْرياء، وفي الأخِير ماتَ جِيفَةً، وتركَ بلادَهُ وزيعَةً بينَ أرْبَع دُوَل.
فما الفائِدة من أنْ يَرْبَحَ الإنْسانُ العالمَ ويفْقِدَ نفْسَه، على حَدِّ قَوْل النَّبي المَسيح!
يا عَشْتار!
– هلْ تعلمينَ بأن طاغِيَةَ روما “نيْرون”- وهو مع الأسَف، يُشارِكُني نفْسَ الإسْم- أحْرَقَ رُوما، لتُوحِيَ له بِقَصيدَة شِعْرية، أضْرَمَ النّار في أحْياءها، ثم جلسَ على رَبْوَةٍ يتَلذَّذُ بالمْشْهَد.
قاطعته عَشْتار مُسْتَغرِبة:
– ألِهَذا الحَدِّ بلَغَ جهْل الإنسان، وبلغتْ غَطْرَسَتُه؟
فقاطَعَها قائلا:
– وما قوْلُكِ في الحَجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفي القائِلُ: “إن للشَّيْطانِ طَيْفاً، وإنَّ لِلسُّلطانِ سَيْفاً”: فقد رمَى بغَطْرسَته الكَعْبَة المُشَرَّفَة بالمَنْجَنِيق، وهو أشْرفُ مكانٍ مُقدَّس على الأرض، وقَطَع رأسَ عبد الله بن الزُّبَيْر، انتِقاما منه وإرْضاءً لطُمُوحات سَيِّده عبد الملك بن مَرْوان الدَّامِية، – هذا الذي كان وَرِعا زاهِدا لا يُفارِقُ القرآن، وبعد أن بُويِع بالخِلافة، طَوَاهُ بين يَديْه ووضَعَهُ جانِبا وقال:
– هذا فِراقٌ بيْني وبَيْنك.
فهذا ما يَفعلُ عِشْق السُّلْطة بالجَهَلة.
ولنفْسِ الأسْباب قُطِعَ رأسُ مُصْعَب بن الزُّبير في العِراق قَبْلَ أخيه عبد الله، وقبْلهُما نَكَّلَ ابن زِياد، عامِلُ اليَزيد بن مُعاوية برأسِ الحسين بن علي، في مَشْهدٍ رخِيص بِكَرْبلاء وهي كَرْبٌ وبَلاءٌ، لقد كان الجَمْع الأول يُنادِي: الله أكبر، ويصيحُ عدُوُّه في المُقابل: الله أكبر، و كلُّ طَرفٍ يُكَفِّر الآخَر، ومع ذلكَ ستَجِدينَ من يلْتَمِسُ لهم العُذر، تحت طائِلة، توحِيد الأمّة الإسْلامية، وَتوسيع أطْرافَها. والحَقُّ أن ما في أنْفُس أمْثال هَؤلاء الطُّغاة، غيْر حُبّ السَّطوَة وشَهْوَة السُّلْطان.
إن تاريخَ الشُّعوب يا عَشْتار، وعلى مَرّ العُصور مَحْكُوم بالدّم، وتحتَ شِعار البَقاء للأقْوى. إن رَحَى الحَرب حَطَبُ نارِها يُغَدِّيه دَمُ أفْرادٍ لا يَعرفُون بَعْضَهُم البَعض، تلْبِيَةً لِطُمُوحاتٍ مَجْنُونة، لِحُكامٍ جَهَلَة، يَعْرفُون بعْضَهم البعض، بينما الظُّلم واقفٌ بينهم يُراقِبُ المَشهدَ في نَخْوَة، والناسُ يُسَمُّونَه الشَّريعَة. وعندما تضَعُ الحَرب أوْزارَها بنَصْرٍ مَزْعُوم لطَرف على الآخر، وتَرْتَوي الأرْض بأنْهارٍ من الدِّماء المَسْفُوكَة، يَحْمِلُ العَبيد الطَّاغِيَة مُمَجَّدا على أكْتافهم، وتَهْتِفُ حَناجِرُهم باسْمه، ويُزَيِّنُون صَدْرهُ وأكْتافَه بنَياشِين العَارِ، ويُلقِّبُونَه “المُخَلِّصُ الأبَدي”.
يا عشْتار! إن الشُّعوبَ المَيّتَة هيَ منْ تصْنَعُ طُغاتها، وهي من تشْحَدُ لهم السَّيوف ليَضْرِبوا أعْناقَها.
– يا سيّدتي إنّ القاعِدة تقول: من لا يَمْلك ثُلَثَ يَوْمه، فهو عَبْدٌ، فكيفَ بِمَن لا يَمْلِك حتى ساعةً منه!
تنَهَّدَتْ عَشْتار بِعُمق وقالتْ:
– ياللعار! ويا لَجَهْلِ الإنْسانِ حاكِماً ومَحْكُوماً!
الحمد لله، لأننا لا ننْتَمي لسُلالة البَشر. ثمَّ أضَافَتْ مُتَسائِلة:
– وأين الحُكماء والفلاسِفة العُقَلاء مِنْ هَذا يا سَيِّدي!
أليسَ فيهم رجُلٌ رشِيدٌ!
….يتبع….




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.