سُحور “جْوَيْلِيلي” …..

محمد النخال

دوَّى صَوْتُ المُنَبِّهِ في البيْتِ كالرّعْد، مُعْلِنا بشَكل مُتأخِّرٍ عن مَوْعِد السُّحُور، لأن أحَدَ الأشْقِياء قد عَبَثَ به، وأخَّرَهُ بثَلاثِ ساعات، مَدَّ إليه “جْوَيْليلي” يَدَه بصُعُوبة لإسْكاتِه، فأخْطأهُ فهَوَى أرْضا وتَناثَرتْ مُحْتَوياتُه، لعَدَم تماسُكِ مَفاصِله، نَظَرا لكَثْرة المآسِي التي تَعَرَض إليها رُفْقتَه، أثْناء غَزواتِه وملاحِمِه في حِلِّه وتِرْحاله بين بيُوت الأرامِل والمُطَلّقات – إذْ يَعْتّبِره إلى جانبِ “بَرَّادِه المَنْكُوب” ثُراثا إنْسانيا يَجبُ الحِفاظ عَليه، بل وترْمِيمُه كلما طالَهُ التَّقادُم – فقام بِرَبْطِه، ليَبْقى مُتَماسِكَ الأجْزاء، بِشَتَّى أنواع الأشْرِطة اللاَّصِقَة، فأصْبحَ كأحَدِ مَعْطُوبي حُرُوب السَّيْبَة زمَنَ التَّيْه، بين القَبَائل.
نهَضَ “جْوَيلِيلي” مُتَثاقِلا يتَثاءبُ، يفْرِكُ عينَيْه اللّتَيْن رفَضَتا أنْ تُفْتَحا، وكأنّ عليهما قُفْلا من حَديد، وهو الذي لم يَذْهبْ إلى فِراشه إلا بَعْد أن أفْرَغ “المَطْوِي” وطَهَّرَهُ من مُحْتَواه، إذْ دَخَّنَ بجُنُون كل ماتَبَقّى من مادة “الْكِيف”، اسْتِعدادا لجَلْبِ بضاعَة جَديدة غَدا من “البَزْناسْ وَلْدْ عَطُّوشْ”، المُزَوِّد الرّسْمي، والمالِكُ الحَصْري لحُقوق بيْع العَشْبَة، وصاحِبُ السّوابِق العَدْلية التي لا تَنْتَهي.
نادَى زَوْجَتَه “الضَّاوْيَة” بِهُدوء، حتى لا يُوقِظ عِصابَة أوْلادِه ورَبائِبِه، لأنّه يخْشَى أن يُنَغِّصَ عليه أحَدهم نشْوَة التَّلَذُّذ بِطَيّ “البَطْبُوطات” المذْهُونة بالزُّبْدة النَّباتية “مارْكَرينَة”وعسَل السُّكر، والْتِهامِها كما يلْتَهِم تِمْساح النِّيل الأزْرق جامُوسَةً في لمْحِ البَصَر، وخُصُوصا ربِيبُه “الغَزْوانِي” والذّي يُلَقِّبُه بالدُّب الرُّوسي، لحَجْم جسَده المُتَرَهّل، والذي يشَكِّلُ عليه خَطرا داهِما، وكابُوسا مُرْعِبا كلّما قابَلَه في إحْدَى جَوَلات الأكْل، حيثُ يُنافِسُه بشَراسَة في السّطْو المُسَلّح على كل مُحْتَوات “الطّبْسِيل” حتى أصْبَح من أهَمّ مَطالِبه: عَدَمُ مُلاقاتِه، والجُلوس معه على مِنْضَدَة مُشْتَرَكة.
لكنّ “الضَّاوْيَة” التي ساقَها قَدَرُها لهذا المتْعُوس، كانتْ تَغُطُّ في سابِع نَوْم، تحْلُم بفُسْتانها الجَديد، الذي أقْسَم بأغْلَظ الأيْمان، ووَعَدَها بشِراءه لها من سُوق أرْبِعاء “أوْلاد جَرّار” قبْلَ العِيد، إكْراما لها على ما قَدَّمَتْ له من خَدماتٍ جَلِيلة خلال شَهر رمَضان، ولإبْداعِها وتَفَنُّنِها في إعْداد “الشّهَيْوات” التي يعْشَقُها، ك”البَطْبُوط” المَحْشُو بشَحْم الدَّجاج، مع قَليل من البَصَل والفُلْفُل، وكذلك “بْرَيْواتْ بالشَّعْرِية الصّينِيَة والكَاوْكاوْ” و”التّقَلْيَة بالكَرْشَة، ولَحْمُ الرَّاسْ، والسَّردِينْ كْوارِي” وجْبَة فُطُورهِ المُفَضَّلَة في هذا الشَّهر الفَضيل.
لمْ تَنْتَبِه المِسْكينة لنِدائِه، فرَكَلَها بِرجْله التي تُعادِلُ في حَجْمِها قَبْرَ صَبِيّ صَغير، مُحاوِلا إيقاظَها، فباءَتْ مُحاوَلتَه بالفَشَل، فاسْتَشاطَ غَضَبا وجَرَّها من رجْلِها كالشَّاة المَنْكُوبَة، وصَرخ قائلا: “وَاتِّي نُوضِي يا مَسْخُوطَة رَاهْ غادِي إفُوتْنا السّْحُور”.
ارْتَعَبَتِ المسْكِينَة، ولمْ يَتَسَنَّى لها التَّلَذُذَ بِحُلْمِها الذي يُنْسيها وجْهَه الكالِحَ، ويَنْتَشِلُها من سُوَيْعات الضَّنّك التّي تَعيشُها في كَنَفِه في يَقَظَتِها، بَلَعَت الإهانَة، ونهَضَتْ تَفْرِكُ عيْنَيْها دُون أنْ تَرُدَّ عليه، لأنّها تعْرِفُ أنّها لنْ تسْمَع منه إلا الكَلام الفاحِش، وإنْ رَدَّتْ عليْه حَضَر الجِيرانُ، لذلك تَمْتَمَتْ في صَدْرها قائِلة: ” لك يَوْمٌ يا ظالم” ونهضَتْ لتَدخُلَ إلى المَطْبخ لإعْداد الشّاي وبعْض “البَطْبُوطات” ، بينما جَلَس هو أمامَها يَفْرِك عيْنَيْه، ويُعاوِدُ تِكْرار مُحاوَلة فَتْحِهما بكُلّ الأسَاليب والطُّرُق، لكِنَّهما تأبَيانِ من تأثِير قِلَّة النَّوْم وشِدَّة مَفْعُول “الْكِيفِ”.
وضَعَت “الضَّاوْيَة” وجْبَة السُّحُور أمامه، وما أنْ رَمَي بأوَّل “بَطْبُوطة” كامِلَة في فَمِه، وابْتَلَع نصْفَها في لمْح البَصَر، حتَّى أتاهُ من الشَّارِع صَوْتُ بائِع مُتَجَوِّل يُنادِي: “مَاااطِيشِاااااااااا”.
تَوَقَّفَ “جْوَيْليلي” عنِ المَضْغِ، ولمْ يُصَدِّق ما سَمِعَه، نَظَر إلى “الضَّاوْيَة” نظْرَةَ اسْتِغْراب، لكنّها لم تُعِرْه أي اهْتِمام، بلْ واصَلَتْ عَمَلية المَضْغ بكل اطْمِئْنان، فهي لا يَعْنِيها هذا الأمْر، حتّى ولو كان حقِيقة، لأنّها بكل بَساطة لا تَصُومُ هذه الأيام لعُذْرٍ بيُولُوجي، وقبْلَ أن يَسْتَفْسِرها إنْ كانَتْ سَمعَتْ ما سَمِع، جاءه الخَبَر اليَقين، إذْ سّمع صوْتا آخَر بالقُرْب من باب بيْته، وبشَكْل واضِح يُنادي “جَافِييييل” نَهَض المَتْعُوس من مكانه، وخَرج بسُرعة من المَطبخ المُظلِم، لتَواجُد المَسْكن في شِبْه قَبْوٍ يَعُمُّه الظَّلام طيلة اليَوم، وهو يَلُوكُ لقْمَتَه ويَجْتَرُّها كالبَقَرة الدَّبْساء، وما أن فَتَح الباب ليَتأكَّد من حَقيقة ما سَمِعتْ أذُناه، حتّى وقعَتْ عيْنُه في عيْن جارِه “بُوعَزّة” الجَزَّار الذي حَيَّاه بِسُخْرية:
“صباح الخَيْر “بَّاجَلُّولْ” بالصَّحة والعَافية”
لم يسْتَطع “جْوَيْليلي” الرَّدَّ، لأنَّ فَمه كان مُمْتلئً بالطَّعام، ولأنّه أدْركَ هَوْل الكارِثَة، وأن يَوْمه في الصّيام راحَ هَدَرا. أقْفَل الباب بِرجْله بكل قُوة، وعاد إلى مَكانه مُطأطأ الرأس، وانْهَمَكَ في إكْمال ماتَبَقَّى من “البَطْبُوطات” والشَّرَرُ يَتَطايَر من عيْنَيْه، بينما كانت “الضَّاوْيَة” تَنْظُر إليه خِلْسَة من وراء سَتائِر حاجِبَيْها، وتُقاوِمُ ضَحْكَة تَشَفٍّ، ولِسانُ حالها يَقُول: والله ما لكَ يا “جْوَيْليلي” في صِيامِكَ، حتّى وإنْ أكْمَلتَ يوْمَكَ، إلاّ الجُوع والعَطَش.




قد يعجبك ايضا