لقاء مع مُبْدِعات خَلْفَ القُضْبان بخريبكة

ذ محمد نخال

أثناء زيارتي لسجن بخريبكة رفقة كُتَّاب ومُبْدعين وفي إطار أنشطة ثقافية، بمناسبة اليوم العالمي للكِتَاب تحت شعار: “كتاب لكل سجين(ة)”.

” لقاء مع مُبْدِعات خَلْفَ القُضْبان”

جلسَ والحُزن يكتَسِحُه، بالكاد رفع رأسه و تَمَعّنَ وجوه السّجينات الجالسات أمامه، كانت نظراتهن تحمل معان كثيرة حاول سَبْر أغْوارها والغَوص في أعماق أنفس أرهَقَتْها القُضبان. كُنّ بأعْمار مختلفة، أغلبهن زهرات انطفأ تَوهُّجهن، وحاولن التَّجَمُّلَ لمصارعة اليأس القابع فيهن. التَفتَ إلى الجهة اليسرى، فَراعَه مَنْظرٌ شَتّتَ تفكيره، وأدخله في متاهات الحُزن العميق، كانتْ إحداهن تحْضُن طفلا صغيرا، أرغَمَته مآسي الحياة على اقْتِسام العيش معها داخل القضبان. أيّ مصير ينتظره! وأيّ مستقبل يخَبّئه القدر لهذا الصبي التّعيس. !!!
مرّتْ لحظات حاول فيها جمع أنفاسه ولمْلَمَة تركيزه، سَلَّمه صديقه “الميكروفون” ليلقي كلمته في جمع السّجينات المُبدعات اللواتي حَضرْن لتقديم إبداعاتهن بمناسبة اليوم العالمي للكتاب تحت شعار: “كتاب لكل سجين(ة)”.
حبسَ أنفاسه وتصاعَدتْ زفراته، وخَرجتْ آهاتُه كلماتٍ حزينة أبْكَت الجميع وقال: أنا لا أتَصَوَّرُ، ولايُمْكنني أبدا أن أتَخيّل، أو أقبْلَ برُؤية امرأة وراء القُضبان، أنا أخاطِبُ فيكن الأم الحَنُون، والأخْت الرّؤوم والبنتَ فِلْذَة الكبِد، وأرى فيكن الحَبيبة مُهْجة الروح، والزّوجة سيّدة القلب ورفِيقة العُمر. فكيف لي أن أقْبَل بتَواجُد واحِدة منهن وراء هاته الأسوار المُوحِشَة !!
ثم أضاف بنَبْرة غاضِبة: إن تاريخَ البَشرية، تاريخٌ دمَوِي، أخْرَج فُصول مسْرحيته الرّجال، وكانت النّساء فيه ضَحايا، كان الرجال فيه صُنَّاع القَهْر، وكانتِ النّساء سَبايا ، كان الرجالُ أصحاب القَرار الجائِر، وكان نَصِيبُهن منه المِحَن والمآسي.
كانت السّجينات تُنْصِتْن إليه والدّمع على الخَدّ قد سال، تَداركَ المَوْقفَ، وحتى لايتَحَوّل الاحتفالُ إلى “تراجيديا” تٌعزَفُ فيها سَمْفونية الهَمّ والغَمّ على مَقامات الأسى، ختَم كلمته بالقَول: نحن جِئنا اليوم، لِدَكِّ هاته الأسْوار، وتحْطيم الأبواب، وكسْر القُضبان، وفكِّ الأغْلال، لنَهْرُبَ بكُنّ جميعا على أجْنِحة المعرفة والفكر الرّاقي، ونُحَلّق جميعا في سماء الإبْداع، ولنَتقاسم معكن أحْزانكن، ونُشاطِرَكن اهتماماتكن بالكتابة والقراءة. إن الكتابة هي الخَلاص، وهي المُنْقد، وهي المِعْوَل الذي يمكنكن به تحطيم جدار الصّمْت القابع في دواخلكن، لتَتَنفسْن عبق الحرية خارج أسوار السّجن. إن مفهوم الحرية، مفهوم نِسْبي، فكم من شَخص يعيشُ سِجْنا حقيقيا وهو خارج الأسْوار، وكم سَجينا قهر القضبان وهزم المعاناة، وأبْدع فكْرا خَلّدَه التاريخُ، لإن المعاناة تَمْنحُ القُدْرة على الإبْداع، و قد تتحول إلى مصْدر إلهام، وتُوَلِّد طاقةً رهيبَة في الدّاخل، فتنْفَجر ليتَمَخّض عنها إبداع قَلَّ نَظيره. وضرب مثالا بالشّيخ العلامة “السّيِّد قُطْب” الذي ألَّفَ مَوْسُوعته الخالدة “في ظلال القرآن” في زنْزانَتِه وبنِصْف رئة.
صفَّق الجميع، وبدأ العرض، كانت لحظات مُفْعمة بالمشاعر الإنْسانية الراقية، أخرجتْ فيها السّجينات إبداعات تُوَثِّق لمعاناتهن، وتُبْرز إصْرارهن العجيب على مَحْو نُذُوب الأسْر القَسْري، والوقوف بشُموخ في وجه الحياة القاسية المفروضة عليهن، في انتظار الحرية ولو طال انتظارها…
انتهى الحفل بتقديم الجوائز على المتفوقات، فتعالت الزّغاريد والتّصْفيقات الحارة والأهازيج: ( الصلاة والسلام على رسول الله الجاه إلا جاه سيدنا محمد ، الله مع الجاه العالي ). وكان الوداع على أمل اللقاء في السنة المقبلة، وكل عيد للكتاب والمبدعات السجينات في انتظار يوم الحرية المنشود…




قد يعجبك ايضا