جريدة فاص
بقلم عبد السلام الزروالي الحايكي / باحث في علوم الاعلام والإتصال
إن هذا البحث محاولة للإجابة على الأسئلة التالية :
أولا : ما هي مظاهر الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي الآن؟
ثانيا : ما هي خطورة أن يعيش الوطني العربي هذه الحالة من الفراغ الثقافي والإعلامي؟
ثالثا : ما هي العوامل التي تؤدي إلى حدوث مثل هذا الفراغ؟
رابعا : كيف يتغلب الوطن العربي على هذا الفراغ الثقافي والإعلامي؟
خامسا : هل كل ما هو أجنبي يعد غزوا للفراغ والإعلامي في الوطن العربي؟
أولا : مظاهر الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي
يتخذ الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي مظاهر عدة، منها ما يتعلق بوضع الدول العربية كبلدان نامية –مثل انتشار الأمية وقلة الإمكانات المادية وندرة العناصر البشرية المدربة- ومنها ما هو من صنع الحكومات العربية ذاتها. ومن هذه وتلك نذكر مايلي:
1- الصياح الإعلامي والشعارات الجوفاء : يقول محمد حسنين هيكل وهو يعدد أخطاء الإعلام العربي قبل نكسة يونيو عام 1967م “إن ألفاظنا تعبر في كثير من الأحيان عن أكثر مما نقصده وأكثر مما نستطيعه… ونحن طلاب حق نستطيع أن نشد الدنيا إلى نضالنا من أجله لكننا نصدها عنه إذا حولنا المشهد النضالي المجيد إلى مجرد حمام دم. إننا لا نحسن عرض قضايانا أمام غيرنا فنتصور أن وضوح الحق في جانبنا يكفي لإقناع غيرنا به فإذا لم يقتنعوا على الفور فهي النية السيئة من جانبهم وبعدها نصبح عصبيين، الأمر الذي يسهل تصويره على أنه التعصب”. ومما يؤسف له أن من يتابع أجهزة الإعلام والثقافة العربية اليوم يجد أن الكثير منها ما زال لم يع الدرس.
2- تبادل الشتائم والاتهامات بين الدول العربية عبر أجهزة الإعلام والثقافة: وهذه أكثر الأخطاء التي ترتكبها أجهزة الإعلام العربية اليوم خطورة. أنها لدليل صارخ على حالة الخواء الثقافي والفكري والإعلامي الذي يعيشه الوطن العربي. إذ بدلا من لغة العقل والمنطق والإقناع المستند على حقائق صحيحة وصادقة تلجأ النظم العربية إلى إتهام بعضها البعض – عبر أجهزة إعلامها- بالخيانة والعمالة وبأقذع الشتائم مما لا يليق ذكره هنا.
3- عدم ثقة المواطن العربي في أجهزة إعلامه وثقافته أو بمعنى أدق أجهزة إعلام وثقافة النظم التي تحكمه: وتبدو هذه الظاهرة نتيجة طبيعية للظاهرتين السابقتين عليهما. فماذا نتوقع من مواطن لم يتعود من أجهزة إعلامه وثقافته إلا على الشتائم والشعارات الجوفاء التي لا تمت للواقع بصلة؟ ! النتيجة هي عدم الثقة في تلك الأجهزة والقائمين عليها وعدم تصديقها. إن العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية في العالم العربي أثرت على الإعلام في عديد من الاتجاهات، وأدت –فيما أدت- إلى عدم ثقة المواطن العربي في أجهزة الإعلام والثقافة العربية وعدم اعتمادها كمصادر أخبار صادقة. وغدت مهنة الصحافة من المهن غير المحترمة.
4- الصحف والمجالات العربية التي تصدر من خارج الوطن العربي بتمويل عربي لتقرأ في الوطن العربي : إن هذه ظاهرة جديرة بالاهتمام تسترعي الانتباه. إذ يكاد الوطن العربي أن ينفرد بها دون غيره من مناطق العالم. إن العديد من الصحف والمجلات العربية والتي تصدر من عواصم أجنبية مثل لندن وباريس وقبرص وأثينا يثير العديد من التساؤلات، منها: لمن تصدر هذه الصحف والمجلات؟ ومن يمولها؟ ولماذا لم تصدر في البلد العربي الذي يمولها أصلا أو أي بلد عربي آخر؟ وغير ذلك كثير، إن قراءة فاحصة لعدد من هذه المطبوعات تكشف عن النظام العربي الذي يمول كلا منها لتدعو له وتتبنى سياسته.
5- التهافت على الإعلام الوافد والثقافات الأجنبية: لعل هذه الظاهرة تكون نتيجة منطقية لما سبقها من ظواهر. فقد غدت وسائل الإعلام والثقافة الأجنبية الموجهة للوطن العربي هي مصدر الثقة وتمييز الحقائق من الأكاذيب لدى المواطن العربي. ولا يخفى علينا مدى خطورة تغلغل الوسائل الإعلامية الأجنبية في دول الوطن العربي. فهي وسائل تعمل لمصالح بلادها بالدرجة الأولى وليس لمصلحة العرب بالطبع إذ هي كمن يدس السم في العسل.
6- ندرة الإحصاءات الدقيقة عن الإنتاج الثقافي والإعلامي في دول الوطن العربي : إن الباحث في مجالي الثقافة والإعلام العربيين ليواجه بهذه المشكلة. وفي كثير من الحالات- إذا وجدت مثل هذه الإحصاءات- لا تتعدى كونها أرقاما تقريبية تعدها المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة واليونسكو. ويرتبط بذلك ندرة ا لإحصاءات الدقيقة عن مدى كفاية أجهزة الإعلام والثقافة لمواطني الدول العربية، وعدم دقتها، إن وجدت. وكذلك ندرة بحوث القراء والمستمعين العرب للوقوف على احتياجاتهم الثقافية الحقيقية.
7- انعدام الفهم الصحيح لدور الثقافة والإعلام في خدمة قضايا العرب وانعدام التخطيط الثقافي والإعلامي : ويتمثل هذا –في أوضح صوره- في تمكن الإعلام الصهيوني- في غفلة الإعلام العربي المؤثر- من تشويه صورة العرب والحق العربي لدى المواطن الغربي والأمريكي، وغلبة الإعلام الإسرائيلي، رغم أن العرب هم أصحاب الحق، وهذا ما عبر عنه الصحفي الأمريكي جيمس رستون بقوله : “إن الدعاية الصهيونية تسبق الأحداث… بينما الدعاية العربية تلهث وراء الأحداث”.
8- “وتراكمت حملات التشويه والتشويش كلها، بفعلنا (نحن العرب) قبل سوانا، لزعزعة شخصيتنا الثقافية ككل وإضعاف قدرتها على الصمود والمواجهة، لإحداث فراغ ثقافي (وإعلامي) في الساحة العربية وإن لم يكن فراغ وجود عربي حي يتجسد في :
رفض العربي لتراثه…
(الـ) تشكيك بقيمه وجدوى ما قدمه أعلام ثقافة عصر النهضة العربية وسواهم…
تسويغ وتلميع تجارب و(تقليعات) فكرية وأدبية لا تحمل سلامة اللغة، ولا أصالة الثقافة…
تمزق سياسي عربي مزري
زحف عربي نحو الاستسلام وتصفية القضايا….
عدم تحقيق تقدم فعلي في مجالات إيجاد البنية الإجتماعية المتطورة، ونزوع أنظمة الحكم العربية إلى إهمال الجماهير وقطعنتها، وإلى اعتماد ديمقراطيات شكلية…
استمرار تواجد العدو في الأرض العربية…
حملات إعلامية (عربية – عربية) لا تحترم العقل ولا العلاقات العربية…
تراكم حملات الإعلام المضاد (امبريالي – صهيوني- استعماري- الخ) ضد الإنسان العربي…
فقدان الكلمة لمصداقيتها أو لبعض مقومات مصداقيتها في الحياة العربية….”.
ثانيا : خطورة أن يعيش الوطن العربي هذه الحالة من الفراغ الثقافي الإعلامي
إن الفراغ الثقافي والإعلامي الذي يعيشه الوطن العربي الآن ليساعد الاستعمار الجديد على غزوه ثقافيا وإعلاميا “وعلى تصدير الأفكار المسمومة والمعتقدات المذهبية والتهجم بالطريق المباشر وغير المباشر على الثقافة (العربية) ووصمها بالبدائية والتخلف وفقدان المقدرة على الاستجابة لضرورات التطور الحضاري، وتقديم الثقافات والنماذج الحضارية الامبريالية على أنها البديل الأفضل لذلك كله”.
وتعرض الوطن العربي للغزو الثقافي يهدد بضياع الشخصية القومية العربية وبأن تظل الدول العربية تابعة للامبريالية وكما يعوق تحقيق الوحدة العربية. يقول زكي الجابر إن الثقافة المضادة للعالم العربي وإعلامها قد تختلق أقنعة تمنع رؤية أغراضها الخبيثة، ويقدم الأمثلة التالية دليلا على ذلك : استغلال وتعزيز الثنائية مثل ثنائية العلاقة والتعامل بين الحضارة العربية والحضارة الغربية والتأكيد على عدم توفر حضارة عربية بل مجموعة حضارات شرق – أوسطية، ومحاولة إبراز المجتمع العربي في صورة مجتمع الموزاييك لا المجتمع الواحد، ومحاولة التأكيد على الاعتراف بإسرائيل واقعا ثابتا وأن التآلف معها لابد منه.
إلا أن هناك بعدا آخر – أشد خطورة من الغزو الثقافي – يترتب على الفراغ الثقافي والإعلامي في العالم العربي، وهو أنه يقود المواطن العربي إلى حالة من الاغتراب الثقافي والفكري والإعلامي مما يؤدي إلى خلق ثقافة الاغتراب والتي من خصائصها : لغة الاغتراب التي تتميز بعدم الوضوح والتلاعب بالكلمات، والفصل بين الفكرة والعمل وما يرتبط بهذا من احتقار للعمل اليدوي، وخلق معنى وهمي للحرية، حرية الابتعاد عن الواقع وعدم الارتباط بالمعاناة التي تحياها الجماهير، والاعتماد الكلي على مصدر واحد من الثقافة وهي الثقافة القادمة من الخارج.
ثالثا : العوامل التي تؤدي إلى الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي
تنقسم العوامل التي تؤدي إلى حدوث مثل هذا الفراغ – في رأي الباحث- إلى مجموعتين. المجموعة الأولى والتي هي نتيجة فترة الاستعمار الطويلة التي مرت بها البلدان العربية ابتداء من الغزو العثماني في أوائل القرن السادس عشر إلى الاستعمار الأوروبي الحديث في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
فقد عمل الاستعمار على بقاء الدول العربية متخلفة – وبالذات في مجال الثقافة والفكر والإعلام- بل إنه اصطنع الحدود بين أجزاء الوطن العربي الواحد وقسمه إلى دول وزرع الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين شوكة في ظهر الأمة العربية وقاعدة امبريالية في قلب الوطن العربي. وعمد الاستعمار إلى زرع بذور الفرقة والخلاف – دينيا وفكريا- بين أ أجزاء الوطن العربي الواحد.
ليس هذا فقط، بل إن الاستعمار الجديد الآن لا يزال يحاول جاهدا إبقاء الوطن العربي متخلفا ودائرا في فلكه ثقافيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا. وقد يأخذ هذا شكل المساعدات أو خلق الأزمات والحروب مثل حرب لبنان وحرب الخليج. وتارة يأخذ شكل الإرهاب بالقوة العسكرية مثل سياسة الذراع الطويلة لإسرائيل والحفاظ على تفوقها العسكري على جميع الدول العربية. وتارة أخرى يستغل الاستعمار عملاءه في قلب الوطن العربي لعقد الاتفاقات الخيانية الاستسلامية مثل معاهدة كمب ديفيد وما تلاها من انهيارات ثقافية وإعلامية واقتصادية وعسكرية في الكيان العربي.
أما المجموعة الثانية من العوامل وراء الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي فهي أشد خطورة من المجموعة الأولى. وهي ما ترجع إلى واقع الحال في الدول العربية نفساه. يقسم محمد الرميحي معوقات الإبداع الثقافي (والإعلامي) في الوطن العربي إلى أربع مجموعات :
المعوقات الاقتصادية، وهي أخطر المعوقات بوجه عام وتتمثل في عدم توفر التمويل الكافي للمؤسسات الثقافية والإعلامية لكي تؤدي رسالتها على أكمل وجه، وعدم توفر برامج التفرغ والجوائز التشجيعية. كما أن الحقوق الاقتصادية للمبدعين في مجالات الثقافة والإعلام غير مصانة وكثيرا، ما تتعرض للنهب والقرصنة.
المعوقات الإدارية، وأهمها الفهم المتدني لقيمة الأعمال الإبداعية الثقافية وغمط قدرها من قبل بعض المسؤولين “البيروقراطيين” وإعاقة الإبداع بإجراءات الطباعة والنشر والتوزيع والرقابة. وترتبط بذلك اللوائح والقوانين وتفسيراتها الضيقة التي تقف حجر عثرة في وجه النهضة الثقافية، وصعوبات النقل والتوزيع حيث يعامل النتاج الثقافي والإعلامي على بعض حدود الدول العربية معاملة المهربات والممنوعات.
المعوقات الاجتماعية، وهي معوقات في القيم الاجتماعية السائدة في الوطن العربي. إن نظام التنشئة الاجتماعية والتعليم في الدول العربية لا يشجع ولا ينمي القدرات الإبداعية في الأطفال والناشئة، ويدعوهم دائما إلى التفكير المطابق بدلا من التفكير الإبداعي. وترتبط بذلك بعض ا لقيم الاجتماعية السائدة مثل الخوف من التجديد، وعدم تقدير بعض أشكال الفنون كالغناء والرسم والمسرح، إلخ. وكذلك عدم وجود قيمة النقد الموضوعي البناء للأعمال الفنية إذ غالبا ما يكون النقد متحيزا محابيا.
المعوقات السياسية، وتتمثل في الصراع بين رجال الثقافة والفكر والإعلام والسلطة السياسية التي تريد أن تصب الجماهير في قوالب جامدة وحشو أدمغتها بمفاهيم غامضة وشعارات جوفاء حفاظا على هيمنتها ومصالحها. فتضيق السلطة بالمفكرين ورجال الإعلام الذين يقدمون على نقدها في أعمالهم الثقافية والإعلامية، وقد يأخذ هذا الضيق شكل المحاكمات والعزل والسجن والإرهاب والتصفية الجسدية في بعض الأحيان. مما يؤدي إلى أن يلجأ هؤلاء المفكرون ورجال الثقافة والإعلام –من الخوف- إلى الهرب أو الرمزية الشديدة الغموض أحيانا. وينتج عن ذلك ظاهرة مؤسفة وهي انحراف الأعمال الثقافية والإعلامية عن أهدافها النبيلة إلى ما يوافق السلطة. وكثيرا ما يجد هذا النوع الزائف من الأعمال طريقه إلى وسائل الإعلام والثقافة فتتوارى الأصالة لتترك للتزييف العقيم مكانها.
هذا فيما يتعلق بداخل البلدان العربية، أما فيما بين دول الوطن العربي فتبدو الصورة أشد قتامة. إذ يتخوف كل بلد من ثقافة وإعلام الآخر ويفرض عليه أقسى أنواع الرقابة، بل ويمنعه ويحاربه في أحيان كثيرة. إن المتتبع لأجهزة إعلام الدول العربية يدرك مدى ضراوة الحرب الباردة التي تشنها الدول العربية فيما بينها متمثلة في تبادل الشتائم والإهانات والاتهامات التي لا مبرر لها ولا أساس لها من الصحة في معظم الأحيان.
رابعا : كيف يتغلب الوطن العربي على هذا الفراغ الثقافي والإعلامي
إن تغلب دول الوطن العربي على ظاهرة الفراغ الثقافي والإعلامي يحتاج إلى خطوات عملية وجادة على جميع المستويات الجماهيرية، وفي مختلف الجوانب الاقتصادية والإدارية والسياسية والاجتماعية. إن الواقعة التالية تبين لنا كيف تسهم النظم العربية في حالة الفراغ هذه، ومدى ما يعانيه المواطن العربي من بعض العقول المظلمة التي قدر لها أن تسيطر على أجهزة الإعلام والثقافة، كما تبين لنا مدى أهمية وجدية أن يرتفع المسؤولون العرب إلى مستوى المسؤولية القومية لإنقاذ وطنهم وجماهيرهم من الوقوع فريسة للغزو الثقافي والاستلاب الفكري.

