بين مطرقة الأيام وسِنْدان الليالي

ذ محمد نخال

هكذا تمُرُّ بنا الأيام غير عابِئين، وتطْوينا الليّالي ونحن في غفْلة شارِدين، نسِيرُ على أعْتاب الزمن مُخْتالين، ونلْهُو على جنَبات العمر لاهِتِين، وقلَمُ القَدر يخُطُّ أعمالنا التّافهة ونحن مَزهُوِين، نرسُمُ على صفَحات التّيْه أحْلامنا بألوان الخُسْران، فتَمْحُوها اليَقظة في ثَوان، كثيرةٌ هي الأحْداث التي مرّت بنا، ولكن كم بقي منها صامدا في سجِّل ذكرياتنا؟
لنَضَعْ إذاً أفراحَنا وأتْراحَنا في كفَّتَيْ ميزان، ودَعْنا نرى أيّ الكفتَيْن أرْجَح؟
كم قاومتْ مصابيحُ ابتسامَتنا ظُلْمةَ أحزانِ السّنين، وما غالَبَتْها، وكمْ سقَتْ دمُوعُنا صَحْراء أتْراح الليالي وما روَتْها، زرَعْنا بذور الأفْراح في حقول اليأس، وما جَنَيْنا غيْر التّعاسة، قطَفْنا ثمار مجْهوداتنا وادّخَرْناها في أجْران العُمر، حتى نعُودَ إليها عند الحاجة، ولما عُدْنا ما وجَدنا غير بَقايا وأشْلاء، وقد عصَفَتْ بها قَوَارِضُ الأحْزان، عصَرنا أتْعابَنا وملأنا كؤُوس غيْرنا حتى نُرْضيهم على حساب راحَتِنا، فما قُوبِلْنا بغير الجُحُود والصُّدُود.
نحن تائِهُون بين ماضٍ تنَكَّر لنا، وحاضِر يَرْكُضُ لهفَة للِّحاق بماضِينا، وغَدٍ يسْتَعِدُّ ليَلْبَسَ عَباءة الحاضر، ومُتَشَوِّقٌ ليُصبِحَ بدَوْره أمْسَنا.
أيّ معنى لأفراح لا تدُوم، وسَتَطمِسُها الأحزان في الحِين. هكذا هو الإنْسان يطْفُو لحْظة مُخْتالا كزَبَد البحْر ولا يلبَثُ أن تَمُر عليه نُسَيْمات الهواء ليصْبح غُثاء. لعُمْري ما قِيمة هذه الحَياة التي تبدأ بصَرْخَة وتنْتهي بالنّحِيب، حياةٌ نُحاول بكل ما أوتِينا تنْظيمها ومآلُها في النّهاية إلى الفَوْضى والعَمَى المُطْلَق، وكأننا صُنِعْنا من الفَناء إذ لا نُدْرك قِيمَة الأشْياء إلا بعد فَنائها، لا نُدْرك قيمة الصّحة إلا في عيادة الطّبيب، ولا قِيمَة الرُّفْقَة الطّيبة إلا بفُقْدان الحَبيب.
أيها الإنسانُ الغارقُ في الأوْهام، فما حيَاتُنا إلا كعَشِية أوضُحاها، وما العُمر إلا ليْلة بلا صُبح جَميل، مَناجِلُ المَنايا تَخْبط فينا خَبْط عَشْواء، ونحْن في إصْرار عجيب مُتَشَبّثُون بالبَقاء، ، فلا مالُنا سيَرْحل معَنا، ولا أوْلادنا سنَجِدُهم يوم المُصاب، أما الأهْل والأصْحاب، فسيَجْتمِعُون في ليلة تأبِينك، وقدْ شَمَّروا سَوَاعِدَهم حَوْل قَصْعة فيها ما لَذَّ وطاب، ولنْ يتَذَكّروا اسْمك بعد الآن، وأقْصى جُهْدهم أن يَقولوا وأفْواههم تلُوكُ شَرائح اللّحْم اللذيذة: رحِمَ الله الفَقِيد، لقد كان رجُلا ولا كل الرّجال.


قد يعجبك ايضا