بقلم سعيد المولودي
إن فعل الكتابة هو فعل وجود ، فهو تماهي ذات الشاعر مع موضوع وجوده ، انه فعل اجتراح شرطية لغوية من سياق عمليات حسية، تمارس فعلها وتأثيرها على الشاعر، كذات محترقة بزخم الواقع وتنوع فرضيات الاستجابة لهذا الواقع.
فنغمة القصيدة تستمد قوتها من درجة انفعال الشاعر بالمؤثرات الكوسمولوجية والاجتماعية المفروض عليه ان يعيشها ، كذات حاملة لأسباب تواجدها في مساحة ما.
تبدأ القصيدة من فعل توضيح هو “لأجلك”، يرسم شرطية وجودية لذات مغتربة تائهة ،قوامها التساؤل عن وضعية معاشة ضبابية.
لأجلك
أيتها الوجوه التائهة
سأظل جالسا
فاللغة الشعرية تجعلنا نتساءل لم استعمل الشاعر كلمة لأجلك ولم يستعمل “من أجلك ” ، فالمنحى الأول يعكس فعل وجود قائم على التضحية والتعالي على الجراح، أما الثاني فهو يعني الانتظار والتقرب الى الآخر ، فالحاضر هنا هو الذات المنصهرة مع الآخر والمعنية بالوجود الكلي والمجمع، والغائب هو الذات المتفردة القلقة عن مصالحها ، فنحن امام الانا المنفلت من شرنقة الرغبة المتضخمة القائمة على النفعية .
ومن خلال الدلالات اللغوية نستمد مشروعية تساؤلاتنا هل الحضور والغياب يرتبط فقط بالذات ؟
اتربص مقاما
به قميص
اصابه سوء ظنونك
أغرقته اناملك
فالحاضر هنا هو “الآخر” كشخص منهك بظنونه وشكوكه والغائب من خلال النص هو “القميص” في بعده الرمزي.
والرمز هنا يلعب دور الغائب الضحية المثقل بإخفاقات التكيف مع الوجود، فاستعمال رمز القميص هو استعمال ذكي للتناص والانزياح في نفس الوقت ، فهو يستورد من النص كلمة” قميص “لإعطاء الموقف بعدا إنسانيا ازليا، ومن ناحية أخرى يتعالى بالأزمة النفسية لملامسة التمزق، فالقميص في النص القرآني استعمل رمزا للقتل و التآمر في البداية، واستعمل مرة ثانية للدلالة على البراءة وقوة الموقف وسلامة السريرة..
فالمد بين الحضور والغياب يستمد قوته من الدلالات اللغوية المشحونة بتناقضات وجدانية تتراوح بين التساؤل القلق من جهة ، وتحميل المسؤولية للآخرمن جهة أخرى.
كيف لي ان اراك ؟
والظلام حولك حالك
فما بين الذات والآخر ليس هناك إلا سديم من الظلام يعكر يعطل فعل الوجود السوي، والتلاقي العفوي في مساحة ما وهو ما يمكن تسميته ب “الوجود المشترك “القابل لاحتواء الجميع.
واستعمال كلمة “من “هو تلخيص لتجربة وجودية ترى في الآخر الجحيم المتحرك والمتنقل
من أشارت إليه أصابعك
لاشك هالك
إلا أن الشاعر لا يقف عند النزعة الوجودية العبثية ،بل يستعين بالتفاؤل لرسم الحدود الفارقة بين الغياب السلبي والحضور الايجابي
دعي اللوم
وانشدي نهارا
وجهه أبهى من حلكة ظلام ينير ليله بدر سام
إلا أن أسلوب الخطاب يتغير من العام إلى الخاص باستعمال أسلوب المخاطبة تبعا لايقاع المدلولات اللغوية،و التي تستمد مشروعيتها من نبضات حية ونشطة في ذهن ووعي الشاعر المنهك بإعطاء موقفه من الوجود والآخر الذي لا يلبي طموحاته.
……/………
*****
لأجلك
أيتها الوجوه التائهة
سأظل جالسا
أتربص مقاما
به قميص
أصابه سوء ظنونك
أغرقته أناملك
بات بئرا عميقا
وسط ضجيج صراخك
كيف لي أن أراك
والظلام حولك حالك
سُرق من بين يديه
وجع المهالك
من أشارت إليه أصابعك
لاشك هالك
دعي اللوم
وانشدي نهارا
وجهه أبهى
من حلكة ظلامك
ينير ليلَه بدرٌ سامِك
واتركي غيوم الليل
تنشد على أوتار الزخات
كلمات أعذب المسالك
تجود بها نظرة
تفوح عطرا
من جميل مقامك
الشاعر سعيد محتال

