جريدة فاص
بقلم لحسن المنتصر مفتش تربوي للتعليم الابتدائي
إن العمل يأخد مبادئه و خصائصه انطلاقا من المجتمع.. حيث كان بدافع الحاجة وعلى أساس التعاون لاستخلاص المعارف واستيعاب العلوم والاستفادة من كل الثروات..فلا شك أن المهمة و القيمة التي يتميز بها العمل تحدد وجود الانسان وتضفي عليه طابعا ساميا و روحا متعاليا.. و العمل له ميزة في العالم الاجتماعي والفكري للانسان و أيضا في عالم الاقتصاد.. حيث يكون العمل خاصة بعد تقسيم الشغل بين الأفراد وسيلة لتحقيق عنصر الوفرة.. وتلعب المنافسة الحرة دورا أساسيا في هذا المجال بشكل يمكن معه تحقيق مزايا تطوير نظام الآلة و تحقيق المهارة والرغبة في الانتاج بشكل يمكن معه القول أن العمل قد أشبع حاجات الإنسان، و مزاياه تنعكس بشكل فعال على مستوى العلاقات الاجتماعية.. بشكل يحقق التماسك الاجتماعي و يجعل الأفراد يعرفون معنى النظام و الامتثال والخضوع له حتى يؤثر ايجابا على مستوى توزيع الأدوار اجتماعيا..حيث أن الأفراد في العمل كالآلة.. كلما تماسكت عناصرها إلا و كانت أكثر إنتاجية و مردودية و نفس الشيء بالنسبة للعمل.. إلا أن العمل و إن كان يحقق مجموع من الايجابيات التي ذكرت آنفا فله سلبيات.. و إن كان يعتقد أنه عالم حرية.. فهو عالم ضرورة..و بالتالي أداة استيلاب..لأن الانسان حين اشتغل أعطى بذلك مقابلا.. و يتمثل في الشغل فهو لم يشتغل محبة في الشغل أو رغبة فيه.. و إنما رغبة بما يمكن أن يحققه الشغل من منافع و حاجات.. و من ذلك أيضا أن عمل الانسان لتحقيق الحاجة لا يكون بالاستفادة من ما ينتجه و لكن بأخذ مقابل رمزي.. الشئ الذي فقد به الانسان أهم خصائصه الإنسانية؛ وجعله في تبعية مستمرة…إن السعي الحثيث وراء العمل/ الشغل.. جعل الإنسان يتحول إلى مجرد آلة في نظام آلي..وهذا ما أدى إلى تألية الإنسان و أنسنة الآلة..إلى درجة أن التخصص في العمل يؤدي إلى البلادة و هو جهل بكل ما لا يتعلق بعالم التخصص .. وباشتغال الإنسان فقد أهم خصائصه الإنسانية و بالشغل يرغب في أن يكون إنسانا إلا أنه به ابتعد عن إنسانيته..
إن الشغل قد أفقد الإنسان مميزاته الإنسانية بشكل حصر فيه العمل وقت الإنسان في لحظتين: لحظة النوم ولحظة العمل و لا مجال للحظة ثالثة ليتفرغ فيها لنفسه للتثقيف، للتفرغ للذات، لتمتين العلاقات، للترويح، لللعب، للنزهة، لمحاباة الآخرين أو حتى لمجاملتهم….
إن خاصية العمل يمكن ربطها بالمجتمع الأمريكي الذي لم يكن الهدف فيه سوى الربح السريع على حساب قيم الإنسانية وعلى نفس الوثيرة سار المجتمع الأوروبي ومجتمعات أخرى..بشكل أصبح فيه الإنسان يرغب في العمل و لا يرغب في الراحة.. لأن هذه الخصائص بالنسبة له مجرد مضيعة للوقت..هنا أصبح العمل يمثل الراحة و أصبحت الراحة تمثل الشقاء و الضرورة.. .و رغم كون العمل يحقق خاصية الحاجة للاستهلاك..فهو قد سلب الإنسان حريته..وأصبح معه الإنسان مدربا على حياة الاستهلاك..وكلما زاد نظام الإنتاج تنظيما و عقلنه كلما زاد في استلاب الإنسان.. و بذلك شل العمل أيضا الوعي و الوجدان.. وهكذا ضحى نظام الإنتاج بالانسان المنتج من أجل الإنسان المستهلك..ولهذا يمكن القول أن الحاجة تتطور و الوسيلة تتعقد.. و كلما زاد الطلب و الحاجة إلى الحاجة.. كلما تطور نظام الآلة ضمن مملكتي الضرورة و الحرية وما ينتجه ذلك من استبداد و خضوع و حين نكون في مملكة الضرورة والخضوع نكون قد استسلمنا لواقع لا يمثل سوى عالم الاستيلاب على حساب انسانية الإنسان. .

