حين يصبح الحزب السياسي والمقاولة الاقتصادية وجهان لعملة واحدة

ذ / ابن سعيد بختاوي

ليس بالضرورة أن يصعد العامل في عالم الاقتصاد إلى قمة السلم المهني داخل المؤسسة نفسها؛ فقد ينتقل من مقاولة إلى أخرى، ومن مسؤولية إلى أخرى، مستثمرا خبرته وعلاقاته وقدرته على التكيف، إلى أن يبلغ أعلى المراتب. وذالك عبر عبور محطات متتالية تتغير فيها المواقع وتبقى الغاية نفسها.

في وقتنا الراهن، أصبحت السياسة ليست بعيدة عن هذا المنطق. فالحزب السياسي، وإن اختلفت طبيعته عن المقاولة الاقتصادية، يظل نظريا فضاء للتنظيم والتنافس وتدبير المسؤوليات. وقد ينتقل السياسي من حزب إلى آخر، ومن مهمة ومسؤولية إلى أخرى، ومن موقع داخل فريق برلماني إلى موقع في أجهزة المؤسسة التشريعية، حتى يجد نفسه في نهاية المطاف على رأس إحدى أهم المؤسسات الدستورية الكبرى.

في بلدي الجميل، يمكن النظر إلى الحزب السياسي والمقاولة الاقتصادية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة من حيث آليات الصعود وتدبير المسارات، لا من حيث الأهداف أو الوظائف. فالمقاولة تقاس بقدرتها على الإنتاج والابتكار وتحقيق النتائج والأرباح، بينما تقاس السياسة بقدرتها على التأطير والتمثيل وخدمة الصالح العام. لكن كليهما يعرف التنافس على المواقع، وتراكم التجارب، وتغيير المسؤوليات، والبحث عن فرص جديدة للارتقاء.

ولعل انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب، يوم 13 أكتوبر 2026، يقدم مناسبة مناسبة للتأمل في هذه الفكرة. فقد امتد مساره السياسي عبر تجارب حزبية متعددة، من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الدستوري، مرورا بالحركة الشعبية، وصولا إلى حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يبلغ رئاسة الغرفة الأولى للبرلمان. وهو مسار يبرز كيف يمكن للاستمرارية في العمل الانتخابي والمؤسساتي أن تتعايش مع تغير الانتماءات الحزبية.

إن قراءة هذا المسار لا تستوجب إصدار أحكام جاهزة، بقدر ما تدعونا إلى طرح سؤال أعمق: هل يقاس نجاح السياسي بقدرته على الاستمرار في المشهد وتولي المسؤوليات، أم بمدى وفائه لقناعاته، ووضوح مشروعه، وما يتركه من أثر في حياة المواطنين؟

ففي المقاولة، قد يكون الانتقال بين الشركات علامة على الطموح والبحث عن فرص أفضل، ما دامت الكفاءة والنتائج هما الفاصل. أما في السياسة، فإن تغيير الانتماء الحزبي يظل حقا مشروعا، لكنه يطرح أسئلة إضافية تتعلق بالانسجام الفكري، والوفاء للناخبين، ومدى ارتباط الانتقال بقناعة سياسية جديدة أو بحسابات الموقع والمصلحة.

وهنا يكمن الفرق الدقيق بين السلمين: ففي عالم الأعمال، قد تكفي النتائج المهنية لتبرير الصعود، أما في عالم السياسة، فلا ينبغي أن تكون المناصب وحدها شهادة نجاح؛ لأن السياسي لا يصعد بمفرده، بل يحمل معه أصوات المواطنين وانتظاراتهم وثقتهم.

تحميل التطبيق

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضا