سعيد حجي
أكتب لكم، وأنا أعرف أن الكلمات لا تسافر بالحبر وحده. الحروف تخرج من أصابعي ثم تبحث عن مأوى داخل ذاكرة شخص لا أعرف اسمه، ولا ملامحه، ولا المدينة التي يعيش فيها. ما إن تقع عيناه على السطر حتى تبدأ رحلة أخرى لا أملك السيطرة عليها. الجملة التي كتبتها قبل دقائق تغادرني في تلك اللحظة، تدخل إلى تاريخ شخص آخر، تختلط بصوره القديمة، بذكريات طفولته، بأصوات أحبائه، بروائح الأماكن التي عاش فيها، ثم تعود إليه بصيغة جديدة لم أخطط لها يوما…
أؤمن أن الكاتب لا يرسل الكلمات وحدها، إنما يرسل صورا خاما، والقارئ هو الرسام الحقيقي الذي يمنحها ألوانها الأخيرة.
لهذا السبب لا يوجد نص واحد يقرؤه الجميع بالطريقة نفسها.
قد أكتب عن نافذة، فيراها أحدكم نافذة بيت جدته، بينما يراها آخر نافذة مستشفى ودع عندها أباه، ويستحضر ثالث نافذة قطار حمله بعيدا عن مدينة أحبها. الجملة واحدة، والحياة التي تسكنها تتعدد بعدد الأرواح التي تمر فوقها.
لهذا أحب الكتابة.
أشعر أنني أضع حجرا صغيرا في بحيرة بعيدة، ثم أكتفي بمراقبة الدوائر وهي تتسع داخل مياه لم أرها أبدا.
الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار كان يرى أن الصورة الشعرية تولد من جديد داخل القارئ، وأنها لا تحمل معناها جاهزا، وإنما تخلق عالمها لحظة استقبالها. لذلك لا يعيش النص داخل الورق طويلا، حياته الحقيقية تبدأ عندما يسكن خيال إنسان آخر، وعندما يجد غرفة صغيرة داخل ذاكرته.
وربما لهذا السبب أيضا، يبقى بعض الكتّاب أحياء بعد قرون من رحيلهم.
أجسادهم اختفت.
أصواتهم انطفأت.
بيوتهم صارت أطلالا.
غير أن صورة واحدة كتبوها استقرت داخل إنسان مجهول، ثم انتقلت منه إلى آخر، ثم إلى آخر، حتى تحولت الكتابة إلى سلسلة طويلة من الذاكرات البشرية، كل ذاكرة تضيف إليها شيئا من حياتها.
حين أكتب، أعرف أن عدد من يقرأ لي ليس كبيرا.
وأبتسم.
القلة لا تخيف الكاتب.
الكاتب الحقيقي يبحث عن قارئ واحد يفتح النص بقلبه، لأن قارئا واحدا يعيش الجملة بصدق يساوي قاعة ممتلئة بأشخاص يمرون فوقها مرورا عابرا.
كم من كتاب غير حياة إنسان واحد، ثم غيّر ذلك الإنسان حياة عشرات بعده.
الأثر لا يبدأ بالعدد.
الأثر يبدأ بالعمق.
صرت أكتب الجملة، ثم أتوقف لحظة، وأتخيل أن أحدكم ابتسم الآن.
أتخيل آخر صمت فجأة بعدما لامست العبارة مكانا قديما في داخله.
أتخيل شخصا أغلق الهاتف دقيقة كاملة، ونظر إلى الفراغ دون سبب واضح، لأن كلمة واحدة أيقظت ذكرى كان يظن أنها انتهت منذ سنوات.
أحيانا لا تترك الكتابة فكرة.
تترك رجفة.
وتلك الرجفة تظل تتحرك في الداخل ساعات، وربما أياما.
العالم النفسي الأمريكي جيروم برونر كان يرى أن الإنسان يفهم نفسه من خلال السرد، وأن القصص تعيد تنظيم خبراتنا الداخلية. لذلك حين تقرأ نصا يلامسك، يحدث ترتيب خفي داخل النفس، وتتحرك أشياء كانت مبعثرة منذ زمن طويل، دون أن تشعر بالطريقة التي حدث بها ذلك.
لهذا أحب أن أكتب ببطء.
لأنني أعرف أن هناك شعورا ما يولد بين السطور، ثم يواصل نموه بعيدا عني.
الآن…
أنت تقرأ هذه الكلمات.
انتقلت من السطر الأول إلى الثاني، ثم الثالث، وربما لم تنتبه إلى أن الزمن توقف قليلا أثناء القراءة.
أراك بعين الخيال جالسا في مقهى، أو في غرفة هادئة، أو داخل حافلة، أو فوق سرير قبل النوم…
أراك ترفع عينيك أحيانا عن الشاشة، ثم تعود إليها.
أراك تبتسم دون أن يشعر الجالس بجانبك بسبب ابتسامتك.
أراك تسرح لحظة، لأن كلمة عبرت في أعصابك مثل نبضة كهربائية دقيقة، ثم استقرت في مكان يصعب وصفه.
مارسيل بروست كان يؤمن أن الذاكرة لا تتحرك بالإرادة، وإنما تستيقظ بفعل صورة، أو رائحة، أو طعم، أو عبارة. لذلك قد تقرأ جملة اليوم، ثم تعود إليك بعد عشر سنوات كاملة، في شارع لم تمر به من قبل، أو أثناء انتظارك لإشارة المرور، أو وأنت تحتسي قهوتك صباحا، فتكتشف أن الكلمات تملك أعمارا أطول من أصحابها.
كم يعجبني هذا المصير.
أن تتحول الجملة إلى جزء من ذاكرة شخص لم ألتقه أبدا.
أن أعيش دقيقة داخل يومه دون أن يعرفني.
أن أترك أثرا صغيرا، ثم أغادر بهدوء.
الكتابة بالنسبة إلي تشبه إرسال رسالة داخل زجاجة إلى بحر واسع.
لا أعرف أين سترسو.
ولا من سيجدها.
ولا في أي زمن ستفتح.
كل ما أعرفه أن هناك قلبا ما سيقرأها في النهاية.
وأنا مطمئن إلى هذه الفكرة.
أكتب لكم، وإن كان عددكم قليلا.
في مخيلتي أراكم جمهورا واسعا، لأن الأرواح لا تُعد بالأرقام.
أرى كل قارئ يحمل النص معه إلى مكان مختلف، ثم يمنحه حياة جديدة، ثم يتركه يسافر إلى شخص آخر في حديث عابر، أو منشور، أو ذكرى، أو فكرة، وهكذا تستمر الكلمات في التجوال حتى بعدما أنتهي من كتابتها بوقت طويل.
لهذا لا أشعر أنني أكتب على شاشة هاتف.
أشعر أنني أطرق أبوابا هادئة داخل قلوبكم، وأجلس معكم دقائق لا يجمعنا فيها اسم، ولا مدينة، ولا موعد، وتكفيني تلك الدقائق.
وفي الختام…
شكرا لكم…
شكرا لكل عين توقفت عند حرف كتبته.
شكرا لكل قلب منح كلماتي مكانا بين ذكرياته.
شكرا لكل ابتسامة خرجت من سطر، ولكل صمت وُلد بعد فقرة، ولكل تأمل امتد دقائق بسبب فكرة عابرة.
أنتم تمنحون الكتابة معناها الحقيقي.
لولا القارئ، لبقيت الكلمات حبرا ينتظر الحياة.
أمتن لكم جميعا… لأنكم كلما قرأتم لي، منحتم نصوصي عمرا جديدا، ومنحتم كاتبها سببا جميلا ليكتب من جديد.

