لهذا إقرأ… لا لتنجح فقط ، بل لتنجو….

بقلم سعيد حجي

أن تدرس لاجل وظيفة، يشبه تماما من يزرع شجرة وهو لا يفكر إلا في ظلّها، فإذا لم يجد الظلّ أو استعجل هبوب الرياح، اقتلعها ومضى…
لكن أن تدرس لتنجو من صخب الداخل، لتقيم جسورا بينك وبينك، لتستعيد شيئا من ملامحك الضائعة في هذا العالم الذي يقتات على السطح…
فهنا تكون القراءة عبادة، والمعرفة خلاصا، والدراسة شكل من أشكال تطهير الروح…
لا ادرس لاجل شهادة، ولا اقرأ لاجل “سيرة ذاتية”، ولا احشو عقلي لاجل اختبار…
بل افعل كل ذلك كي لا افقد نفسي.
كي أجدني حين أضيع، في سطر، في فكرة، في ظلّ كاتب لم ألتقه قط، لكنه جلس إلى جانبي حين لم يفعل أحد.
يقول المفكر كيركيغارد: “افضّل العزلة في كتاب، من الصحبة في عالم بلا معنى…” هكذا تحدد القراءة مكانها من حياتي،
ليست رفاهية، وليست ترفا، بل هي مقاومة، وصوت ضد هذا الانهيار الجماعي نحو الرداءة…
حين أربط الكتاب بالحاجة، تنتهي علاقتي به مع أول اكتفاء،
لكن حين أربطه بالذات، يصبح امتدادا لها، مثل التنفس تماما،
لا تحتاج تبريرا لتتنفس، ولا للشرح كي تقرأ.
منذ طفولتي، كنت أرى الكتب مثل مرايا مشروخة، كل واحدة تعكس لي صورة، تارة لي وأنا ضعيف، وتارة وأنا قوي، وتارة وأنا لا أعرف من أكون، لكن في كل مرة، كنت أخرج منها بشيء جديد، ولذلك حين أقول إنني أقرأ كي أعيش، فإني أعنيها بكل ما فيها من حياة.
“أن تقرأ، معناه أن تمتلك حياة ثانية لا يملكها غيرك.”هكذا قال ميلان كونديرا . وكم نحن بحاجة إلى حياة إضافية، بعدما أرهقتنا هذه التي نعيشها، حياة نهرب فيها من الوجوه المتكررة، والثرثرات العقيمة، إلى عالم يصنعه عقل الكاتب، ونغوص فيه بلا خوف…
القراءة ليست فعلا أكاديميا، بل هي انحياز جمالي لما هو أعمق، انحياز لأن تصغي حين يعلو الضجيج، لأن تتأمل حين يتسابق الجميع، لأن تطرح الأسئلة حين لا يجرؤ أحد على التفكير…
من يربط دراسته أو قراءته بالمردود وحده، فهو كمن أحب وجه أحدهم دون قلبه، بمجرد أن يتجعد الوجه، ينتهي الحب.
وبمجرد أن تفشل في اجتياز امتحان، تتخلى عن الكتاب.
أما الذي يقرأ ليشفى، ليهتدي، ليحيا…
فهو من إن خذلته كل السبل، عاد إلى الصفحة الأولى، وبنى طريقا جديدا.
وهذا هو سر من لا يتوقف عن التعلم، لأنه لا يتعلم لاجل أحد، بل لاجل نفسه.
في النهاية، كما قال حكيم ياباني : “كل كتاب صادق هو بيت للروح، وكل صفحة فيه، نافذة نحو الأمل…”
لهذا، إقرأ… لا لتنجح فقط، بل لتنجو…




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.