الغريب ……

محمد السعداني

لم أكن أعرفه، كان يمرّ من أمام منزلنا بهيبة ووقار، متأبطًا سبحته، معتمِرا طاقيته البيضاء المُرقّطة، وجلبابه البزيويّ الفاخر. لم يكن يتحدث إلى أحد، ولا ينظر لأي كان. خطوه ثابت، لا يسرع، لا يبطئ. كأن الأرض تعرفه وتُمهِّد له الطريق.
كنتُ حينها فتى غرا تجاوزت عقدي الأول بسنة أو سنتين، أراقبه من خلف النافذة كل يوم عند الرابعة عصرًا، وهو يمرّ في صمت، ثم يختفي عند زاوية الزقاق، حيث تبدأ الحكايات وتختلط الروايات.
قالت أمي ذات مرة إنه “الحاج غريب”، رجل من زمنٍ آخر، جاء من البادية وسكن بيت الجارة “حادة” بعد أن ماتت فجأةً دون أن تترك وريثًا. وقالت الخالة رابحة، وهي تفرغ مشطها من كومة الصوف لتلقمه إلى سن القرشال ، إنه رجل صالح، “من أولياء الله”، يعرف من يموت قبل أن يموت. بينما همس جارنا حمو، الميّال إلى القصص الغريبة، بأنه سمع نسوة في المدينة يقلن بأنه جني تلبس جسد حفار قبور كان يقطن بالمقبرة القديمة، اختفى بعد حادثة غامضة، ثم عاد بعد عشرين عاماً كأن شيئاً لم يكن.
لكنّي لم أقتنع بأيٍّ من هذا.
في أحد الأيام، قررت أن أتبعه. انتظرت مروره، ومضيت خلفه بخفّة. لم يلتفت، ولم يُبدِ أيّ علامة على أنه يشعر بي. ظل يمشي كأنني غير موجود. اجتاز الزقاق، دخل حارةً لم أرها من قبل، رغم أنني أعيش هنا منذ وُلدت. كانت الحارة طويلة، ضيقة، تتفتح فيها أبواب قديمة على باحاتٍ تنبعث منها رائحة الطين المبلّل والبخور.
:ثم، فجأة، توقف. التفت نحوي.

_”لماذا تتبعني؟”، سأل بهدوء يشبه زفرة ريح منسية.

جفّ حلقي. لم أدرِ ما أقول. أردت أن أصرخ، أن أعتذر، أن أهرب. لكنه ابتسم، ومدّ يده.
_”تعال، أُرِك شيئًا.”

تقدّمت نحوه كأنني مسحور. فتح بابًا خشبيًا صغيرًا، وأدخلني غرفة ضيّقة تتدلّى فيها خرائط قديمة، وصورٌ بالأبيض والأسود، ومجسمات غريبة لكواكب وأقمار. كانت هناك سبحة تتوهج على الطاولة، وكتابٌ ضخم بلغة لا أعرفها يضم كل الأسماء منذ أول الخلق، تُقلب صفحاته وحدها.
:قال لي بصوتٍ خافت:

_ “كل ما تراه هنا… هو ما تبقى من زمنٍ سقط من ذاكرة العالم.”

ثم أشار إلى صورة معلقة على الحائط المزدحم بالوجوه والأرقام و التواريخ. كانت الصورة لي. بنفس العمر، بنفس الثياب. لكنّها قديمة، لونها باهت، ومؤرخة قبل أربعين عامًا.ثم أردف قائلا:

_ “أنت لا تعرفني، صحيح. لكني كنت أعرفك قبل أن تولد.”

ثم قال، كمن يُسدل الستار على حياة كاملة:

_ “اسمي ليس غريب. أنا كنت ظلّك ذات زمن، واليوم جئت أُعيدك إلى مكانك.”

لم أستفق إلا وأنا جالس في زاوية الغرفة بأوصال متهدجة، وأنفاس لاهثة. كانت الشمس تغرب، ولا أثر له، لا أثر للخرائط، لا أثر للتواريخ و لا للأسماء والأرقام، ولا حتى للغرفة نفسها التي كانت تحوي سر الوجود منذ بدء الخلق. كل ما هنالك دفتر نفوس، سجل على صفحته الأخيرة اسم والدي وإخوتي الموتي، وحرف ميم يتيم كتب حديثا بقلم رصاص.

منذ ذلك اليوم، كلما مررتُ من أمام ذاق الزقاق، رأيت عينين تراقبانني من نافذة شرفة مطلة على الناصية. لا أعرف هوية صاحبهما، لكنني أشعر بشيء غريب… كأن صوتا يناديني، كأن يدا تلوح لي وتكتب على دفتر النفوس حرفا آخر بحبر غير مرئي يكمل سيرة الموت المشتهاة.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.