عبد اللطيف شعباني
لقد حل شهر رمضان الفضيل ، مما يتوجب على كل مسلم اغتنام أوقاته بالطاعات والخيرات، فإنه موسم عظيم ووافد كريم فضله الله سبحانه وتعالى فقال:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فهذا الشهر خير كله أيامه ولياليه ساعاته وأوقاته، ولكن الشأن فينا نحن بماذا نستقبل هذا الشهر؟ وبماذا نقضي أوقاته المباركة؟ فالشهر شهر عظيم، ولكن المشكلة عندنا نحن في أنفسنا، فلنعرف قدر هذا الشهر ولنستقبله بالبشر والسرور قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدومه قال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا ، وذكر له فضائل كثيرة:
فأول فضائل هذا الشهر: أن الله أنزل فيه القرآن أي ابتدأ إنزال القرآن في هذا الشهر وذلك في ليلة القدر كما قال جل وعلا:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) فابتدأ بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ، ثم تتابع نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً حسب الوقائع والنوازل إلى أن أكمله الله عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، حينما أنزل الله عليه قوله:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذا الشهر بتلاوة القرآن أكثر من غيره، وكان صحابته والمسلمون من بعدهم يقبلون على تلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم، فهو شهر القرآن، وهو شهر الصيام، فالله جل وعلا جعل صيامه فريضةً وركناً من أركان الإسلام (مَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم صيام رمضان من أركان الإسلام الخمسة قال صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمسة أركان:شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، حج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا ، فيجب على كل مسلم مقيم أن يصوم هذا الشهر من أوله إلى آخره أداءً في وقته، أما من كان معذوراً بسفر أو بمرض فإنه يفطر أيام سفره وأيام مرضه على أن يقضي ما أفطره من أيام آخر، والنبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا وسن لنا قيام ليله قال صلى الله عليه وسلم: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وقال صلى الله عليه وسلم: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقد جاء من يفسر قيام رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ، فقيام رمضان فيه فضل عظيم، يكفر الله به الذنوب، من قام رمضان إيمانا واحتسابا، إيماناً وتصديقاً به وبفضله واحتساب لأجره فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وذلك بالذنوب الصغائر، أما الذنوب الكبائر فإنها لا تكفر إلا بالتوبة (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، قال صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ، وأصحاب الكبائر متى تابوا إلى الله قبل الله توبتهم وغفر ذنوبهم (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)، ولكن في شهر رمضان تتأكد التوبة والاستغفار على كل مسلم أن يحاسب نفسه وينظر في أعماله ليدخل في هذه الشهر وقد طهر نفسه من الذنوب حتى يدخل فيه بنفسي نقية حتى يتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى.
ومن فضائل هذا الشهر: أنه تفتح فيه أبواب الجنان، وذلك بتيسير الأعمال الصالحة وتسيلها على أهل الإيمان، لأن الجنة إنما تحصل بالأعمال الصالحة بسبب الأعمال الصالحة، فالله يفتح أبواب الجنان لأجل أن يتسابق المسلمون إليها بالأعمال الصالحة، وهي في هذا الشهر موفرة وميسرة لمن يسره الله له، وتغلق فيه أبواب النيران ، وذلك بأن المسلمين يتوبون إلى الله ويستغفرونه فينجون من النار، لأن الأعمال السيئة سبب لدخول النار، فالله جلَّ وعلا يغلقها عنهم في هذا الشهر ، بمعنى أنه يسر لعباده التوبة والاستغفار وترك الذنوب والمعاصي حتى ينجو من هذه النار، وهذا الشهر يغلو في الشيطان فلا يتمكن من إشغال المسلمين عن دينهم، كما كان يفعل ذلك في غير رمضان، في رمضان الله جلَّ وعلا يمنعه عن عباده المؤمنين لا يوسوس لهم، ولا يشغلهم، ولا يصدهم عن الأعمال الصالحة، ولهذا تجد المسلمون ينشطون في هذا الشهر ويقبلون على الأعمال الصالحة أكثر من غيره عن رغبة وطواعية، لأن الشيطان لا يتمكن من إشغالهم وصدهم عن الأعمال الصالحة وهذا شيء مشاهد، فإن إقبال الناس على العبادة في هذا الشهر دليل على أن الشيطان قد منع من أن يحول بينهم وبين الطاعات ، لكنه يسلط على أوليائه، فالله جل وعلا منع حزبه وجنده من أن يتسلط عليهم الشيطان قال تعالى :(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ)، فعباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سبيل لاسيما في رمضان، أما جنده وحزبه فإنه مسلط عليهم في كل وقت ، ويزداد شره في هذا الشهر كما قال سبحانه وتعالى:( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً)، ولذلك تجد أهل الشر يعدون العدة لهذا الشهر ويخططون البرامج الهابطة والمسلسلات المضحكة، وأنواع من اللهو واللعب، في هذا الشهر من أجل أن يصدوا الناس عن الطاعة ويشغلوهم باللهو واللعب والمعاصي تيسرت لهم السبل في الإذاعات والمحطات والانترنت وغير ذلك، أكثر ممن سبق وهذا خطر عظيم، يجب على المسلم أن يحفظ نفسه، وأن يحفظ أهل بيته وأن يطهر بيته من هذه الوسائل الشريرة وهذه البرامج الهابطة، وحتى متابعة الإذاعات ومتابعة الفضائيات حتى ولو كانت فيها خير ، فإنها تشغل عن الذهاب إلى المساجد ومشاركة المسلمين في الصلوات النوافل والفرائض وتلاوة القرآن، فتجدهم يتابعون هذه البرامج في أوقاتها ، وربما يتأخرون عن صلاة الجماعة متابعة لها، فالمسلم يغلق هذه الأبواب ، يغلقها دائما وفي شهر رمضان آكد ، ولا يشغل نفسه ولا يشغل أهل بيته ويشغل زواره بهذه البرامج، التي أقل أحوالها إن كان فيها خير أنها تشغل عما هو أهم منها ، فكيف إذا كانت كلها شر وكلها دسائس شيطانية؟؟؟
، فعلينا أن تتنبه فإن أعوان الشيطان وجند الشيطان يتسلطون في هذا الشهر وينعون البرامج من أجل أن يجذبوا الناس إليها ، ويشغلوهم بها عن دينهم ودنياهم وعن آخرتهم وعن شهرهم فلنتقي الله، ولنحذر من هذه الشواغل وهذه الأمور حتى أمور الدنيا، حتى طلب الرزق الذي لا يحتاجه الإنسان طلب للتجارة، ينبغي للمسلم أن يخفف أن يخفه في هذا الشهر وأن يصرف جل وقته في طاعة الله سبحانه وطلب الدنيا له وقت آخر وهذا الوقت يفوت، وأما طلب المال والكسب فهذا لا يفوت، فعلى المسلم أن يتنبه لذلك، كذلك هؤلاء يشغلون المسلمين بالمسابقات وما أدرك ما المسابقات يجعلون فيها دراهم والدراهم تجذب القلوب فتجدهم يتابعون هذه المسابقات ويشغلون أوقاتهم فيها ربما يحصل على شيء من الدراهم وربما لا يحصل على شيء، ولو حصل على ملايين من الجوائز فإنها لا تعادل حسنة واحدة في هذا الشهر المبارك، فعلى المسلم أن يتسابق في الخيرات، وأن يسابق إلى الجنات ويسارع إلى الطاعات، وأن يترك هذه الأمور ولا يشغل نفسه بها أو يشغل أولاده أو أهل بيته بها فإنها صوارف إنها ضياع للوقت والعمر إنها ضياع لهذا الشهر العظيم.
فلنتقي الله في هذا الشهرالعظيم ، خير كله بركة نهاره صيام وليله قيام وذكر لله سبحانه وتعالى، فالمسلم إما أن يشغل وقته دائما في الفرائض والنوافل والطاعات أو يستريح بالنوم لينشط على العبادة، والنوم الذي بمقدار، أما الذي ينام يسهر الليل على القيل والقال والأكل والشرب والملذات ثم ينام النهار كله ويقول أنا صائم هذا من العجائب صائم يترك الصلوات يترك الفرائض لا يصلي مع الجماعة لا يتجه إلى المساجد هذا صائم، الصيام ليس عن الأكل والشرب فقط، الصيام إنما هو إمساك عن كل ما حرم الله سبحانه وتعالى، ومن أعظم ذلك إضاعة الفرائض في أوقاتها، فعلى المسلمين أن يتنبهوا لهذا الأمر، فشهر رمضان ليس شهر للكسل والأكل والشرب إنما هو شهر للطاعة والجد والاجتهاد للقول العمل ولا مانع أن يأخذ الإنسان قسطاً من الراحة لا يفوت عليه خيراً، لا يفوت عليه صلاة الجماعة، لا يفوت عليه المشاركة في الخير، بل يجمع بين ما يريح جسمه وما يحي قلبه وروحه وفكره بذكر الله سبحانه وتعالى هذه فرصة، والفرص لا تدوم، وشهر رمضان ربما لا يتكرر عليك مرة ثانية ، فيكون هذا الشهر ختاماً لحياتك بل تختمها بخير ختام، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) .

